السياسية || محمد محسن الجوهري*

يتعمد الإعلام العربي صرف الأذهان عن حقيقة الصراع الدائر حالياً بين إيران والصهاينة من كونها عدوان على الأمة الإسلامية إلى إغراق المشاهد بالتفاصيل والضجيج وطوفان من "الإنفوجرافيك" الذي يشرح المدى المجدي لصواريخ "أريحا"، والقدرة المناورية لمقاتلات "إف-35"، وفلسفة الرادارات الاعتراضية. لكن خلف هذا الاستعراض التقني المبهر، كانت تُمارس عملية "إلهاء تكتيكي" كبرى، تهدف إلى تغييب الجوهر العقدي للصراع وتحويله إلى مجرد "مباراة تقنية" بين جيوش نظامية.

وحصر الصراع في أبعاد عسكرية صرفة هو استراتيجية تهدف إلى فصل الحدث عن سياقه التاريخي والديني. فبينما يختار الطرف المعتدي توقيتات مقدسة في التقويم العبري (مثل سبت التذكر أو ذكرى الانتصار على هامان الفارسي)، يصر الإعلام العربي على تسميتها "حسابات لوجستية". وهذا التغييب المتعمد يحرم العقل الجمعي العربي من فهم المحرك الأساسي للعدوان: وهو استدعاء الخرافات الدينية لتطبيقه على الجغرافيا الإسلامية.

وحتى حين يتبنى الإعلام المسيات العسكرية الصهيونية بحرفية فهو يمارس دور الببغاء حرفياً. فاسم "زئير الأسد" يمثل استدعاء لرمزية "سبط يهوذا" الدينية. عندما ينطق المذيع العربي هذا المصطلح دون تفكيك أبعاده، فإنه يساهم لا شعورياً في تثبيت الرواية "التوراتية" للحدث، ويحول "الأسطورة" إلى "واقع" مقبول إعلامياً، مما يمهد الطريق لتقبل فكرة "الحق الديني" المزعوم لليهود في التوسع.

العدوان على إيران في مطلع 2026 هو حجر الزاوية في مشروع "إسرائيل الكبرى". هذا المشروع يقوم على القوة العسكرية من جهة، والحرب الناعمة والإعلامية من جهة أخرى، ويسعى إلى محو إيران لأنها القوة الإقليمية القادرة على ردع المشروع الصهيوني، وقد تحولت إيران في مراحل سابقة إلى عدو وهمي كوسيلة إلهاء لصرف الأنظار عن تفتيت العالم العربي، وقد تحقق لهم ذلك بعد أن فصلوا أغلب الدول العربية عن إيران، درع الأمة الإسلامية.

وللأسف، فإن ذاكرة العرب السطحية تناست كل جرائم اليهود منذ عام 1917 بحق الشعب الفلسطيني وسائر الشعوب العربية، وانشغلت بإيران، فيما يبني العدو استراتيجيته على ذاكرة تمتد لآلاف السنين (تذكر "عماليق"، تذكر "بابل") وعلى ضوء تلك الذكريات يذبح الأطفال والنساء ويمارس أبشع الإجرام بحق العرب قبل غيرهم فيما الإعلام العربي مستغرق في "الحظية" وثقافة الترندات العابرة ومسلسلات الرموز المشفرة، مما يخلق جيلاً يعرف مواصفات الطائرة "المسيرة" بدقة، لكنه يجهل تماماً الارتباط الوثيق بين استهداف العواصم (بغداد، دمشق، طهران) وبين "نبوءات الخراب" التي تدرس في أروقة صنع القرار الصهيوني.

إن الاستيقاظ من سكرة "الإلهاء التكتيكي" يبدأ من استرداد السيادة على المصطلحات والتواريخ. فما نراه من عدوان وجرائم إبادة بدأت بـ "حرب نصوص" قبل أن تُفرض بالنار. وإذا استمر الإعلام العربي في دور "المحلل التقني" الأعمى، فإن الجغرافيا العربية ستظل تُعاد صياغتها وفقاً لمسطرة الأساطير التي لا يقرأها العرب، بينما يطبقها عدوهم حرفياً على أرض الواقع.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب