السياسية || محمد محسن الجوهري*

تقديم السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي لمبدأ التوحيد هو الأمر الذي دأبت عليه كل الرسالات الإلهية، فالتوحيد ليس إقراراً بالقول فقط، وإنما مشاعر مرتبطة بالعمل في كل مسارات الحياة، وقد أوجز الشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي معنى "لا إله إلا الله" في دروس معرفة الله، خاصة ملزمة "الثقة بالله"، والتي ربط فيها مبدأ التوحيد بكل المشاعر الإنسانية.

فالخوف مثلاً غريزة إنسانية، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يخشى شيئاً في الحياة أكثر من خشيته لله، وعندما يعزم الإنسان الخوف من الله فلن يخشى الطغاة والجبابرة، وبالتالي فلن يسوقه خوفه إلى تقديس غير الله كالحكام والجبابرة، ومن هنا بدأت الوثنية بين البشر، سواء الوثنية العتيقة المرتبطة بأصنام مادية، أو الوثنية الحديثة التي ارتبطت بأصنام بشرية وبعقائد منحرفة كالشيوعية والرأسمالية والوطنية وغيرها.

وكذلك غريزة الطمع، وهي من الغرائز الأساسية في حياة الإنسان، وسبب في تشكيل علاقاته في الحياة وحتى في تكوين مبادئه العقائدية، فلو أن الإنسان قدّم الطمع في الله على الطمع فيما دونه فستنتهي الكثير من المآسي في الحياة، ولتخلصنا من "عبودية المال والمصالح" التي تتحكم في أغلب الناس وجعلت منهم عبيداً لغيرهم، فاليهود -مثلاً- حكموا العالم بمنطق المصالح، وعندما يكون الفرد مبرمجاً لنفسه على لغة المصالح المادية فسينتهي به ذلك إلى العمالة لأعداء الأمة.

إلا أن الأعظم من بين تلك المشاعر هي غريزة "الحب" التي فرط فيها البشر كثيراً ووجهوها لغير الله سبحانه وتعالى، وهو الأولى بمشاعر الحب والثقة به، ولذلك الحب إن توجه لله جل وعلا له أثره الكبير في الحياة، فالحب لله هو العبادة العظمى، ويتجلى الحب لله في أن نرجو لقاءه ولو كلف الأمر القتل في سبيله، ولذلك قال في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس: 7- 8].

وحتى مع غريزة "الانتماء"، التي حاول الطغاة في كل عصر أن يوجهوها نحو الأطر الضيقة، كالعصبية القبلية أو القومية العرقية، ليحصروا الإنسان في نطاق الولاء للأشخاص أو الأنظمة الفاسدة. لكن التوحيد يوسع آفاق الانتماء ليربط الإنسان بالأمة المسلمة الواحدة وبالله سبحانه، فيتحول الانتماء من رابطة مصلحية قائمة على المصالح المشتركة إلى رابطة عقائدية قائمة على "الموقف الواحد في سبيل الحق". فمن كان انتماؤه لله، لا يمكن أن يسجن نفسه في حدود جغرافية أو حزبية تمنعه من نصرة المستضعفين أو مواجهة المستكبرين، بل يجد في كل بقعة من أرض الله ميداناً للجهاد والعمل.

ومن زاوية أخرى، نجد أن "مبدأ التوحيد" يمتد ليشمل "الثقة بالتدبير الإلهي" في مواجهة التحديات الاقتصادية والحربية. فاعتماد الأعداء على أسلحة الحصار والإفقار هو في جوهره رهانٌ على أن الإنسان "عبدٌ للرغيف" ورهينٌ للمادة، فإذا جاع أو حُرم خضع وانكسر. وهنا يأتي التوحيد كدرع حصين؛ فالمؤمن الذي يعتقد أن الرزق بيد الله لا يرتجف أمام تهديدات العقوبات، ولا يرى في الحصار إلا فرصة للتحرر من التبعية الاقتصادية والبحث عن بدائل تعزز استقلال الإرادة، فالتوحيد يمنح الإنسان "عزة الموقف" التي تجعل من ضغوط العدو حافزاً للنمو والاعتماد على الذات لا مبرراً للاستسلام.

وأخيراً، فإن التوحيد في أسمى تجلياته هو "توحيد الموقف والقرار"، فلا يصح أن يكون الإنسان موحداً في صلاته ومشركاً في سياساته. إن الموحد الحقيقي هو من يجعل بوصلة تحركاته في الحياة متوافقة مع إرادة الله، فلا يوالي أعداء الله طمعاً في دنيا، ولا يخشى لومة لائم في قول الحق. إن "لا إله إلا الله" هي إعلان حربٍ على كل مفاهيم الطغيان التي تحاول أن تفرض نفسها كأرباب من دون الله، وهي الميزان الذي نزن به كل التحالفات والعداوات؛ فكل ما كان في صف الحق فهو جزء من مسارنا الإيماني، وكل ما كان في صف الطاغوت فهو عدوٌ لمبدأ التوحيد الذي نعيشه ونضحي في سبيله.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب