أشبه الناس بهارون في القرآن الكريم
السياسية || محمد محسن الجوهري*
وصف النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، علاقته بعليٍّ، عليه السلام، بأنها كعلاقة نبي الله موسى بأخيه هارون، عليهما السلام، وهذه بينةٌ من البينات الإلهية لتوضيح طبيعة العلاقة بين النبي ووصيه؛ حتى لا يلتبس الأمر من بعد ذلك إلا على البغاة: "وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ ۖ فَمَا اختَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ" (الجاثية: 17).
فالبغاة هم مصدر الخلاف دوماً بعد التبيين النبوي؛ بغياً على الدنيا، وطلباً لملكها وسلطانها. وقد وضّح التابعي الجليل "أبو العالية الرياحي" أن الاختلاف والنزاع من بعد الرسل -بين أهل الكتاب أو غيرهم- لم يكن عن جهل، بل كان حسداً وتعدياً (بغياً) للاستئثار بالدنيا والرياسة والملك، مما أدى إلى الاقتتال بينهم.
فلكل نبيٍّ وصيٌّ من بعده؛ فنبي الله زكريا، عليه السلام، يطلب في دعائه القرآني أن يهبه الله ولياً يرث أمر الأمة من بعده، إذ لا يجوز أن يُترك الأمر مثاراً للخلاف وسبباً للفرقة، ولذلك قال موسى لهارون: "اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ". وكذلك الحال بين نبيين آخرين من أنبياء الله وهما إسماعيل وإسحاق، عليهما السلام؛ فالأخير كان وصياً وخليفةً لأخيه الأكبر، وهو أقرب في الوصف القرآني إلى هارون فقد آتاه الله النبوة، أما إسماعيل فيصفه الله في سورة مريم بقوله: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا"، تماماً كموسى الموصوف في السورة ذاتها بأنه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا}.
بناءً على ذلك، فإن مقام إسحاق من إسماعيل كمقام هارون من موسى، وكذلك هو حال الإمام علي، عليه السلام، من رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم. ولذا، نال هارون من التغييب والإقصاء لدى بني إسرائيل ما ناله الإمام علي؛ حيث قدموا عليه "السامري" وشخصيات أخرى اتسمت بالضلال. ولا يزال بنو إسرائيل إلى اليوم يقدسون أصحاب موسى الذين عبدوا العجل وقالوا "أرنا الله جهرة"، وارتكبوا الحماقات بحق موسى وهارون؛ وكل ذلك التقديس يهدف لتهميش هارون، عليه السلام، والتقليل من مكانته ليروج باطلهم المستمد من شرعية المفسدين في الأرض.
وقد حذر الرسول، صلى الله عليه وآله، أمته من مغبة اقتفاء أثر بني إسرائيل في أعمالهم وعقائدهم، فقال: «لَتَحْذُنَّ حَذْوَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، وَالنَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ». إلا أنهم تجاهلوا هذا التحذير النبوي واحتذوا حذوهم، بدءاً بإقصاء الإمام علي، عليه السلام، وغفلوا عن أنهم بذلك قد أقصوا الدين بأكمله؛ فالأمر لم يكن مجرد استبدال رجل بآخر، بل استبدال نهج بآخر، وهو تماماً ما فعله "السلف الطالح" من بني إسرائيل حين استبدلوا هارون، فانتهى بهم المطاف إلى عبادة العجل.
إنّ القراءة المتأملة في سِيَر الأنبياء وأوصيائهم لا تهدف لنبش الماضي فحسب، بل لاستبصار سنن الله التي لا تتبدل. فالتشابه بين هارون وعلي، وبين بني إسرائيل وهذه الأمة، يضعنا أمام حقيقة كبرى: وهي أن التمسك بالوصية هو صمام الأمان من الارتداد نحو (عجل) جديد، تختلف صورته عبر العصور وتتفق حقيقته في كونه انصرافاً عن الحق واتباعاً لسراب الضلال.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

