السياسية || محمد محسن الجوهري*

لا يخفي اليمنيون اليوم ما يعتري نفوسهم من شعورٍ بالتشفي والارتياح تجاه ما تتعرض له دول الخليج من ضرباتٍ عسكرية، إذ يرى قطاعٌ عريض من الشعب اليمني في هذه الأحداث "عدالةً تاريخية" رداً على سنواتٍ من العمالة الصريحة للمشروع الصهيوني، وتحويل أراضيهم إلى منصاتٍ وقواعد عسكرية واستخباراتية تستهدف الأمة في ثوابتها وقواها الحية. إن هذه الشماتة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاجٌ طبيعي لعقودٍ من المظلومية؛ حيث دأبت الممالك الخليجية على استنزاف اليمن، وتمويل مشاريع الاقتتال الداخلي، وإضعاف بنية الدولة اليمنية، وصولاً إلى العدوان العسكري المباشر في مارس 2015، الذي خلّف مجازر ودماراً لا تزال شواهده ماثلة في كل تفاصيل الحياة اليمنية.

ومن عجائب المزاج الشعبي اليمني أن التباين في الموقف من إيران يذوب تماماً أمام "العدو المشترك". فبينما يحتدم الخلاف السياسي والأيديولوجي بشأن الدور الإيراني يبرز إجماعٌ وطنيٌ كاسح عند كل محطة استهدافٍ للعمق الخليجي. هذا الإجماع لا يستثني حتى أولئك الذين قد تفرقهم النزعات الطائفية أو الحسابات السياسية الضيقة؛ فالممالك الخليجية في الوعي الجمعي اليمني باتت تمثل "عدواً وجودياً"، ولا يذود عن حياضها إلا مأجورٌ يرتهن بلغة المصالح الآنية، وسرعان ما ينقلب موقفه حين تتبدل المعطيات، وهو ما تجسده اليوم حالة "مرتزقة الفنادق" الذين فقدوا حتى الغطاء الأخلاقي بعد أن سقطت شرعيتهم أمام أنظار من احتضنوهم.

هذا الموقف اليمني الموحد يعيد استحضار الذاكرة الجمعية لمواقف اليمنيين خلال الحربين الخليجيتين الأولى والثانية؛ فحينها، لم يكن ثمة اتفاق على غزو صدام حسين لإيران، بل إن الكثير من القوى السياسية، والحكومة في الشطر الجنوبي، ونخباً دينية وازنة في الشمال، عارضوا ذلك بشدة. ولكن، ما إن اتجهت بوصلة صدام نحو قتال الخليج، حتى هبّ اليمنيون بشتى أطيافهم ومناطقهم خلفه؛ ليس حباً في الحرب ذاتها، بل أملاً في "تطهير" الأمة من شرور تلك الأنظمة، حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة القصوى؛ فكان التأييد آنذاك انعكاساً لرغبة دفينة في كسر هيبة تلك الممالك التي طالما تكبرت على محيطها العربي.

إن الموقف اليمني اليوم ليس استثناءً، بل هو اختزالٌ لحال العرب قاطبةً؛ فما من بقعةٍ عربيةٍ تشهد اقتتالاً أو مؤامرةً إلا وكانت الأموال الخليجية هي الوقود المحرك لها. إن الكوارث التي تعصف بالشعوب العربية، من تمزيق النسيج الاجتماعي إلى تمويل الجماعات المتطرفة والظلامية -بمختلف تسمياتها- ليست سوى نتاجٍ لمصانع القرار في تلك العواصم. بل إن العقائد المتشددة والآراء التي فرقت الأمة وبثت بذور الكراهية باسم الدين، وجدت في المؤسسات الخليجية المظلة والتمويل والانتشار.

خلاصة القول، إن حالة السعادة التي يبديها اليمنيون هي صرخة مكتومة ضد نظامٍ إقليمي استثمر في انهيار الشعوب ليبقى. لقد أدرك اليمني بحدسه الفطري أن ضربةً واحدة لبرجٍ عاجٍ في الخليج، تكسر طوق الحصار المعنوي الذي فُرض عليه طويلاً، وتؤكد أن "سنن الله في الظالمين" لا تحابي غنياً ولا تميز قوياً، فمن زرع الفتنة والدمار في أرجاء الأمة، حريٌّ به أن يتجرع كأسها، وأن يرى بنيانه الذي شيده على الاستعلاء يتهاوى أمام أول اختبارٍ حقيقي.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب