السياسية || محمد محسن الجوهري*

في ظل المواجهة العسكرية المفتوحة التي تجتاح منطقة الخليج منذ أواخر فبراير 2026، تبرز فرضية استخدام "إسرائيل" لأسلحة دمار شمال ضد دول الخليج كاستراتيجية "راية مزيفة" (False Flag) ، لتوريط إيران وإجبار دول الخليج - على الانخراط الكامل في الحرب بعد أن رفضت تلك الدول، أو ربما عجزت، عن تقديم أي جهود عملية لإسناد العدو الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية.

وقد تعددت الإرهاصات والمؤشرات الميدانية التي تعزز هذا الطرح؛ فمن الثابت أن غارات إسرائيلية استهدفت مواقع خليجية حيوية، وفي مقدمتها حقل "الشيبة" النفطي، وهي هجمات نأت إيران بنفسها عنها، ونفت أي علاقة لها بها، لتُكشف لاحقاً كجزء من مخطط صهيوني لخلط الأوراق.

ومن منظور الكيان الصهيوني، لا يعد الخليج سوى "ورقة استهلاك" أو منصة جيوسياسية يتم تفعيلها للإضرار بالجمهورية الإسلامية عند الحاجة. وتاريخ التعامل الصهيوني مع الأنظمة العميلة في المنطقة يؤكد مبدأ "الإحراق الممنهج"؛ فالكيان لا يجد غضاضة في التضحية بأمن ومصالح الأنظمة الخليجية، بل حتى بإحراقها بالكامل وتحويل أراضيها إلى ساحات حرب مفتوحة، إذا كان ذلك سيحقق أهدافه الاستراتيجية في توريط القوى الدولية ضد إيران.

وهذه العقيدة تقوم على استغلال "الطرف الثالث" كدرع بشري، حيث يُنظر إلى هذه الدول كـ "أدوات وظيفية" تنتهي صلاحيتها بمجرد انتهاء الغرض منها أو تحولها إلى عبء على أمن الكيان. وبذلك، تصبح الأراضي والمواقع الحيوية الخليجية -التي تُعدّ ركيزة للاقتصاد العالمي- في نظر المخطط الصهيوني مجرد "أهداف تكتيكية" يمكن التضحية بها لإشعال فتيل أزمة إقليمية كبرى، تضمن انشغال الخصوم ببعضهم البعض، وتُبقي الكيان الصهيوني بمنأى عن تبعات المواجهة المباشرة، معتمداً على سياسة "الأرض المحروقة" التي لا تفرق بين حليفٍ أو عدوٍ طالما أنها تخدم بقاءه الوجودي.

وفي حال تحققت الفرضية، فإن نتائجها ستكون كارثية على دول الخليج، خاصة في المدن الخليجية، التي تتميز بكثافة سكانية عالية، حيث سيؤدي إلى كارثة إنسانية وبيئية تتجاوز في آثارها أي تقديرات تقليدية. فمن الناحية الإنسانية، سيؤدي انتشار غازات الأعصاب أو العوامل الكيميائية السامة في بيئة حارة ورطبة إلى معدلات وفيات فورية مرتفعة جداً، نتيجة اختراق هذه المواد للجهاز التنفسي والأنسجة الجلدية بسرعة تفوق قدرة النظم الصحية على الاستجابة.

أما من الناحية البيئية والخدمية، فإن تأثير هذه الأسلحة سيكون مدمراً بشكل خاص على محطات تحلية المياه، التي تُعدّ شريان الحياة في الخليج؛ إذ إن تلوث مصادر المياه العذبة أو خزانات التحلية بمواد كيميائية ثابتة سيؤدي إلى تعطل كامل لإمدادات المياه الصالحة للشرب، مما يخلق أزمة نزوح قسري لملايين السكان.

وبالتوازي مع ذلك، ستواجه المدن شللاً تاماً في حركة الإخلاء والإسعاف نتيجة تلوث الأسطح (بسبب العوامل المثابرة كغاز الخردل)، مما يجعل الشوارع والمباني مناطق محظورة تتطلب عمليات تطهير معقدة وطويلة الأمد.

علاوة على ذلك، فإن الأثر الاقتصادي لن يكون أقل حدة؛ فاستهداف المراكز النفطية والمالية بأسلحة دمار شامل سيؤدي إلى شلل كامل في سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بهذه المنطقة، مع تحول المدن إلى بؤر غير قابلة للحياة لفترات طويلة. إن هذا "الإحراق الممنهج" ليس مجرد ضربة عسكرية، بل هو تدمير شامل للمقومات الاجتماعية والاقتصادية التي استغرق بناؤها عقوداً، مما يخدم بشكل مباشر استراتيجية الكيان الصهيوني في تحويل المنطقة إلى رقعة جغرافية غير مستقرة تعاني من انهيارٍ وظيفي كامل.

إن المشهد الذي يرتسم أمام أعيننا اليوم يكشف عن استراتيجيةٍ صهيونيةٍ تتجاوز حدود العدوان المباشر إلى هندسة "الفناء المتبادل" للأمة عبر أيديها. إن التهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل في قلب الخليج ليس إلا ذروة هذا المخطط الذي لا يرى في الحلفاء سوى قرابين على مذبح بقائه.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب