الجزيرة هيئة استخباراتية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
عندما يتعلق الأمر بإيران، فإن الصهيونية العالمية تستنفد كل طاقاتها وأدواتها العسكرية وغير العسكرية، وفي مثل هذه الأيام تتضح الكثير من خفايا الأمور. فقناة الجزيرة، التي ترفع شعار "الرأي والرأي الآخر"، تترك كل مهنيتها جانباً لتتبنى الرؤية الإسرائيلية عن الصراع، حيث لا مكان للحياد في القاموس الصهيوني، وعلى قطر، كما على غيرها من ممالك الخليج، أن تنحاز بكل طاقاتها لدعم المشروع الإبستيني في المنطقة.
ولك أن تتابع التغطية المباشرة لقناة الجزيرة هذه الأيام لتتأكد من مستوى صهيونيتها؛ فقد تجاوز الأمر حد التغطية الإعلامية إلى اعتقال عددٍ من المحللين السياسيين، مثل المحلل الفلسطيني "سعيد زياد" وآخرين، بينما لا يزال الموت المفاجئ لمذيعها الشهير جمال ريان يثير التكهنات حول سبب وفاته، خاصة وأنه من الداعمين لخط الجهاد والمقاومة.
ولو رجعنا بالأحداث قليلاً إلى الوراء، لرأينا الجزيرة في سورية تكشر عن أنيابها الصهيونية وتتبنى المصالح والتحركات الإسرائيلية، وقد استطاعت رسم صورة أخرى للأحداث السورية بعيداً عن الحديث عن الدور الصهيوني الذي رسم معالم الحرب السورية وأخرج الكثير من تفاصيلها. وهناك أيضاً رأينا الحكومة القطرية تمول المسلحين بالمال والسلاح لإسقاط الدولة السورية، وحتى تتمكن الصهيونية من التوسع داخل البلاد السورية دونما مقاومة تُذكر.
وهذا التحكم الدقيق في سياسات الجزيرة الإعلامية لا يمكن أن يتم دون مراقبة مباشرة من الأجهزة المستفيدة منها؛ فليس هناك وسيلة إعلامية في العالم العربي وغير العربي تعمل بلا مراقبين لخطها التحريري. وبما أنها في الجزيرة تخدم "إسرائيل"، فإن جنسية هؤلاء المراقبين معروفة أيضاً، خاصة إذا علمنا أن العدو الإسرائيلي نفسه لا يفرق بين جانب إعلامي وجانب عسكري، ولذلك استهدف -ولا يزال- الإعلام الفلسطيني واللبناني، فالإعلام المقاوم أهداف عسكرية في سياسته وعقيدته.
وهذا هو الحال بالنسبة للجزيرة وسائر الإعلام الخليجي؛ فهم جزء من العدوان الصهيوني على إيران، وما كان ينبغي للجمهورية الإسلامية أن تترك ممالك الخليج تتمادى عليها، رغم أنها قادرة على إلجامها، لأن الحرب الإعلامية التي بدأها الإعلام الخليجي كانت المحطة الأولى من العدوان على الشعب الإيراني، وكان لقناة الجزيرة الدور الأكبر في التحريض على إيران خدمةً للأجندات الصهيونية المعادية.
كما أن المتابع المدقق يلحظ أن هذا الخطاب الإعلامي لا يأتي في سياق عفوي أو مهني بحت، بل يندرج ضمن منظومة متكاملة لإعادة تشكيل وعي المتلقي العربي بما يخدم سرديات محددة سلفاً، حيث يجري انتقاء المصطلحات بعناية، وتضخيم بعض الوقائع مقابل تغييب أخرى، بما يخلق انطباعاً عاماً منحازاً دون إعلان صريح لهذا الانحياز. وهذا الأسلوب، وإن بدا في ظاهره التزاماً بالمعايير الإعلامية، إلا أنه في جوهره توجيه ناعم للرأي العام، يهدف إلى إعادة ترتيب أولويات العداء والصداقة في وعي الجمهور، بحيث تتحول بوصلة الصراع تدريجياً بعيداً عن مسارها الحقيقي، وهو ما يجعل من الدور الإعلامي هنا امتداداً وظيفياً للأدوات السياسية، لا مجرد ناقل محايد للأحداث.
وقد لعبت الجزيرة بذلك دوراً كبيراً في حرف بوصلة الصراع، حيث بدأ التطبيع الإعلامي مع الصهاينة تحت ذريعة "الرأي الآخر"، لكن هذا الرأي لا ينطبق اليوم على الجانب الإيراني؛ فالجزيرة تتبنى الرأي الصهيوني بانحيازٍ مطلق، وتُقصي أي طرحٍ مغاير يمكن أن يقدّم رواية مختلفة أو يوازن الصورة أمام المتلقي. وبذلك يتحول مبدأ التعددية الذي ترفعه القناة إلى أداة انتقائية تُستخدم حيث يخدم توجهاتها، ويُغيب حيث يتعارض معها، مما يضع مصداقيتها المهنية على المِحك، ويكشف عن ازدواجية واضحة في معايير التغطية والتناول الإعلامي.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

