دبي مدينة إيرانية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
الأصل أن نقول بأنها فارسية، لأن الفارسية قومية وإيران نظام سياسي، والحديث هنا عن إماراتيين من أصول فارسية يُقدَّر عددهم بنحو نصف مليون، وأغلبهم يقطنون مدينة دبي. وهؤلاء مواطنون أصليون، وليسوا من مهاجري عصر الطفرة والثروة النفطية، كما هو حال 80% من سكان الإمارات اليوم.
وبما أن سكان الإمارات الفعليين لا يتجاوزون 800 ألف نسمة، فإن نسبة الفرس منهم تتجاوز النصف، أي أكثر بكثير من سكان الإمارات من العرب. وكثير من هؤلاء هم من التجار والصاغة، أي من أساطين الاقتصاد الإماراتي، خاصة في مدينة دبي ذات الأغلبية الفارسية، وتُقدَّر استثماراتهم بنحو 200 مليار دولار، ما يجعل من أموالهم ركيزةً هامةً للاقتصاد الإماراتي.
والحديث عن الهوية الفارسية لدبي يُعد من المواضيع المحظورة في الإعلام الخليجي، وليس فقط في الإمارات، باستثناء إشارات قليلة إلى التاريخ المشترك بين الأمتين العربية والفارسية.
إلا أن ظهور مواقع التواصل الاجتماعي كشف الكثير من خفايا المجتمع الإماراتي، وأن الغالبية من أبنائه من الفرس. ففي عام 2009 أُثير الأمر على نطاق واسع إثر تعيين ثلاثة وزراء من أصول فارسية في الحكومة الاتحادية في أبوظبي، منهم أنور قرقاش، الذي ما زال يشغل منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية. ولاحقًا، في أكتوبر 2017، عُيِّنت سارة الأميري، ذات الأصول الإيرانية، وزيرة دولة للعلوم المتقدمة في دولة الإمارات.
وقد حرصت دولة الإمارات على إضفاء طابع البداوة على الدولة الإماراتية منذ تأسيسها في ديسمبر 1971. وبحسب تقرير لموقع "بي بي سي" البريطانية بتاريخ 15 يناير 2019، فقد أكد أن الإمارات دأبت على التركيز على الإرث البدوي العربي. إلا أن زيارة أي متحف محلي في الإمارات تُظهر بوضوح كيف كانت البلاد تبدو قبل اكتشاف النفط. وحتى ستينيات القرن الماضي، كان أغلب سكان دبي ما يزالون يعيشون في بيوت مشيَّدة من صخور الشعاب المرجانية، مثلهم مثل نظرائهم على الضفة الأخرى من الخليج في إيران.
وفي الفترة الممتدة بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، شيَّد المهاجرون الإيرانيون أفخم المساكن في دبي، وأدخلوا فيها خصائص وسمات معمارية فارسية واضحة، وعلى وجه الخصوص أنظمة التهوية العمودية، خاصة في حي "البستكية" الفارسي، والذي يُعرف اليوم باسم "دبي القديمة".
وبحسب "بي بي سي"، فإن للمواطنين الفرس حضورًا متميزًا في المشهد الفني في دولة الإمارات، إذ تزخر الدولة بالعديد من المعارض الفنية العامرة، المتأثرة بأحدث التطورات في الوسط الفني الإيراني المحلي، وأن لهم إسهامات فعلية في كل ملامح النهضة الإماراتية التي واكبت عصر النفط.
وفي السياق ذاته، فإن التحولات الاقتصادية الكبرى التي شهدتها الإمارات بعد اكتشاف النفط لم تُلغِ هذا الإرث الاجتماعي، حيث استمر حضور المكوّن الفارسي في قطاعات التجارة والاستثمار، مع اندماجه بدرجات متفاوتة في الهوية المفروضة على الدولة. وهو ما يعكس طبيعة المجتمعات الخليجية عمومًا بوصفها مجتمعات إقصاية حتى وإن كانت مركبة وتتشكل من هويات مختلفة.
ومن الطبيعي أن نرى تأثير ذلك على الأرض، فهؤلاء هم سكان دبي الأصليين وسر نهضتها الحضارية وبهم اكتسبت الإمارات سمعتها الاقتصادية، بخلاف البدو من أبناء الإمارات والمشهورين فقط برعاية سباق الهجن وإدارة الصراعات الطائفية والمناطقية داخل الأمة العربية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

