وحدة الساحات.. واستراتيجية الردع
السياسية || طوفان الجنيد*
تُعَدّ جبهةُ اليمن إحدى جبهات محور المقاومة الإستراتيجيةَ الفاعلة فيه. ومع دخول هذه الجبهة في المعركة الحاصلة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأمريكا والكيان المحتل، وتنفيذِ القوات المسلحة اليمنية أولَ عمليةِ استهدافٍ للعدوّ الصهيوني، شكّل ذلك نقلةً نوعيةً واستراتيجيةً متقدمةً في المواجهة، وإعلانًا عمليًّا عن اكتمال وحدة الساحات للمحور المقاوم، ولحظةً فارقةً في سير النزال والمواجهة.
إنه تصعيدٌ عسكريٌّ واستراتيجيةٌ مرعبةٌ للعدو، وضغطٌ عسكريٌّ عالٍ ومركّز؛ فما كان متخوَّفًا منه العدو ويترقّبه، ها هو اليوم قد حصل، وأصبح محور المقاومة جبهةً واحدة. وما كان تهديدًا وتحذيرًا بالأمس، أصبح اليوم واقعًا، ومعادلةً جديدةً، وقوةَ ردعٍ قائمة.
تتجلّى أهميةُ دخول القوات المسلحة اليمنية والانخراط في المواجهة، واكتمالِ وحدة الساحات، في أنها تخلق معادلةَ ردعٍ جديدةً تجعل العدو يواجه جبهاتٍ متعددةً ومتداخلة، لا يستطيع معها الاستفرادَ بالجبهة الفلسطينية أو اللبنانية أو العراقية أو الإيرانية، فتتغيّر مساراتُ الصراع.
فعندما تتحرّك كلُّ الجبهات بتنسيقٍ عالٍ، يصبح العدو أمام حساباتٍ معقّدةٍ تُضاعف من تكلفة المغامرة العسكرية غير المحسوبة.
إن الردعَ الذي توفّره وحدةُ الساحات ليس ردعًا تقليديًّا قائمًا على التهديد المباشر فقط، بل هو ردعٌ استراتيجيٌّ قائمٌ على قدرة المحور المقاوم على توجيه ضرباتٍ متزامنةٍ من محاور مختلفة، بما يُربك منظومةَ القيادة والسيطرة لدى العدو، ويحدّ من خياراته.
استراتيجية الاستنزاف: الاستنزاف والإنهاك سلاحُ المواجهات الطويلة
وهو عنصرٌ فعّالٌ ومهمٌّ في سير المواجهة مع العدو على كافة المستويات:
استنزاف عسكري: عبر إجباره على نشر قواته على جبهاتٍ متعددة، مما يضعف قدرته على التركيز في جبهةٍ واحدة.
استنزاف اقتصادي: من خلال تكاليف الحرب المستمرة، وحالة التأهّب الدائم التي تُثقِل كاهل اقتصاد العدو.
استنزاف نفسي ومعنوي: إذ يعيش العدو وشعبه حالةَ قلقٍ دائم، وعدمَ يقينٍ بشأن متى وأين ستأتي الضربة التالية.
هذا الاستنزافُ المتنامي يُفقِد العدو القدرةَ على تحمّل أعباء المواجهة الطويلة، ويضعه في موقع المتلقّي للضربات بدلًا من كونه المبادرَ إليها.
إجبار العدو على الاستسلام:
عندما تتكامل عناصرُ الردع والاستنزاف، تتحوّل معادلةُ الصراع لتصبح في صالح المقاومة، حيث يجد العدو نفسه أمام خياراتٍ صعبة:
الاستمرارُ في المواجهة بتكاليف باهظة غير قابلةٍ للاحتمال.
أو القبولُ بشروط المقاومة التي تضمن حقوقَ الشعوب المسلمة، وفي مقدّمتها الشعب الفلسطيني.
إن إجبارَ العدو على الاستسلام لا يعني بالضرورة استسلامًا عسكريًّا بالمعنى التقليدي، بل استسلامًا سياسيًّا واستراتيجيًّا، يُفرض عليه القبولُ بالحقوق ووقفُ عدوانه.
الخلاصة:
إن اكتمالَ وحدة الساحات يمثّل نقلةً نوعيةً في موازين القوى، إذ يحوّل المقاومة من حالة الدفاع المتفرّق إلى حالة الردع الموحّد والاستنزاف المستمر.
هذا التكاملُ الاستراتيجي يرسم ملامحَ مرحلةٍ جديدة، يجد فيها العدو نفسه أمام حقيقةٍ مفادُها أن تحقيق أهدافه أصبح في حكم المستحيل، وأن الخضوعَ والاستسلام هو الخيارُ الوحيد أمامه لتجنّب المزيد من الخسائر.
وما النصرُ إلا من عندِ اللهِ العزيزِ الحميد.
* المقال يعبر عن راي الكاتب

