السياسية || محمد محسن الجوهري*

إن خلاصة ما فعله الرئيس الأمريكي مؤخراً بولي العهد السعودي إنما يمثل عينةً من تعامل الغرب مع العرب، حتى في عز حاجتهم إليهم لمواجهة إيران وحماية المصالح الأمريكية في المنطقة، ومنع انهيار الكيان الصهيوني الذي يمثل بقاؤه المصلحة العليا للولايات المتحدة.

فما جرى في ميامي (مارس 2026) كان تجسيداً حياً لضياع الهيبة؛ فحين يستخدم رئيس أمريكي تعبيرات سوقية مثل "Kissing my ass" لوصف ولي العهد السعودي وتذلـله لكسب الرضا، فهو يهين بن سلمان بعينه، إلى جانب نسفه بروتوكولات السيادة التي يتباها بها النظام السعودي صباح مساء وعادي بسبب دول المنطقة ويحاكمها على أبسط هفوة من شأنها الانتقاص من كرامتهم المزعومة.

لكن ترامب، وخلال مشاركته في فعالية سعودية خاصة بالاقتصاد، جعل من الهيبة السعودية مجرد مسخرة بعد أن مارس البلطجة السياسية علانية، واصفاً قادة المنطقة بكلمات تليق بزعماء العصابات لا برؤساء الدول، وسط صمتٍ سعودي رسمي يثبت أن ثمن الحماية الأمريكية بات يُدفع اليوم من رصيد الكرامة الوطنية والسيادة الخليجية.

لم يكتفِ ترامب بالإهانة اللفظية، فعمد إلى توريط دول الخليج عسكرياً بادعائه أن السعودية وقطر والإمارات "تقاتل معه من اليوم الأول ضد إيران"، وزعمه أن الصواريخ كادت "تُدمرهم" لولا تدخل طائراته. وهذا التوصيف الخطير يمنح إيران مبرراً شرعياً لاستهداف العمق الخليجي، محولاً هذه الدول إلى "ساحة معركة" بالوكالة لخدمة المصالح الصهيونية والأمريكية، وعلى قادتها ابتلاع هذه الإهانات والاستمرار في ضخ التريليونات لخطب ود رئيسٍ يراهم يرغمهم على خوض "صراع لا يخصهم.

هنا يجب أن نتوقف طويلاً لنتأكد أنه لا حدود لوقاحة الغرب، ولا يفوقها حماً إلا "المازوخية" السعودية التي تستمتع بما يقدمه ترامب لها من إهانات؛ فكلما أمعن ترامب في الإساءة، ازداد السعودي له ولاءً وتقديساً. وبالنسبة لترامب، فإن ذلك التقديس ليس بالمجان، إذ عليهم أن يدفعوا مقابل أن يقدسوه، ومع ذلك فلن يرضى عنهم مهما قدموا من قرابين لخطب وده.

وهذا يؤكد أن القوة هي قوة النفوس؛ فاليمن -الفقير بسبب مجاورته للنظام السعودي- يأبى أن يُهان ولو مات جوعاً وحصاراً، فالكرامة فوق مستوى الثروات الخليجية مجتمعة.

إن دول الخليج تمتلك أوراقاً مالية قادرة على هز استقرار الأسواق العالمية في لحظات؛ فصناديقها السيادية التي يستهزئ بها ترامب ويسميها "خزائن الكاش" هي في الواقع قادرة على تحويل الغرب إلى منطقة ركود إذا ما تم توظيفها بكرامة وطنية بدلاً من دفع "الجزية" لترامب تحت مسمى استثمارات.

ولو أرادت دول الخليج، وأولها السعودية، أن تكون كريمةً لفعلت، فلديها من الأوراق ما يجبر الغرب على الخضوع لها، ولكنها اعتادت أن تعيش بلا كرامة، بل وترى في الكرامة وهماً يجب أن يستفيق منه الأحرار. والسبب أنهم وُلدوا في العبودية وسيموتون عليها، وليس في قاموسهم أي معنى للمبادئ السامية التي تفرق بين البشر (نبيلٍ ووضيع).

لقد توهم ملوك النفط في الخليج أن "النبالة" تُشترى بصفقات السلاح التريليونية، وضخ المليارات في الخزائن الأمريكية، وأنهم بهذا المال قد ملكوا قرار واشنطن وحصنوا عروشهم. لكن ترامب، بعقليته البراجماتية الفجة، نسف هذه القاعدة من أساسها؛ فهو لم يرَ في تلك الأموال "عربون صداقة" أو "تحالفاً استراتيجياً"، وإنما أموال مهدورة يدفعها الضعيف للقوي مقابل بقائه. لقد أثبت مشهد إهانة بن سلمان وتملقه المذل لترامب أن المال بلا كرامة يحول صاحبه إلى مجرد "بقرة حلوب" يُركل ضرعها كلما جف، ولا تُعامل أبداً معاملة الندّ أو الشريك، وهكذا وصفهم ترامب في ولايته السابقة عام 2018، واليوم يتكرر المشهد في وقت هو أحوج فيه إلى حمايتهم وحماية الكيان الصهيوني.

وكان الأجدر بهم أن يتجهوا بأبصارهم نحو الجار الفقير المحاصر، ليتعلموا من "رجال الرجال" في اليمن أبجديات الكرامة التي لا تُباع في مزادات السلاح. فالمقاتل اليمني الذي لا يجد قوت يومه، استطاع بصلابة إرادته ونبالة فروسيته أن ينتزع احترام العالم ويخضع غطرسة واشنطن، بينما يسقطون تحت أقدام الإهانات الترامبية العلنية دون أن يجرؤوا حتى على "الاعتراض الدبلوماسي". إن الدرس اليمني بليغ وواضح: الكرامة هي "السلاح الاستراتيجي" الأقوى؛ فمن أراد أن يكون "كريماً" فليعتمد على شعبه وأصالته، لا على تملق "كاوبوي" يمسح بسيادتهم الأرض كلما اشتدت حاجته للمال.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب