إعدام الأسرى.. آخر مراحل الطغيان
السياسية || محمد محسن الجوهري*
يتنافس قادة العدو الصهيوني على إبادة العرب في فلسطين وغير فلسطين حتى يحظوا بأكبر شعبية ممكنة في المجتمع الإسرائيلي المتعطش للدماء. وآخر فصول هذه النفسية الدموية هو مصادقة الكنيست الصهيوني على مشروع قانون يتيح فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين في خطوة تصعيدٍ خطيرة تتنافى مع كل القيم الإنسانية والأخلاقية، وتؤكد الشبق اليهودي لسفك الدماء، وبأن هذه العقيدة الشيطانية يجب أن تموت على غرار ما فعل الغرب من قبل مع الشيوعيين والنازيين وغيرهم.
ورغم الصمت الدولي والأممي تجاه هذا التوجه الإجرامي، إلا أن هذه الخطوة قد تكون المسمار الأخير في نعش الصهيونية العالمية؛ فعلو الطغيان مؤشر على قرب النهاية، فهكذا كان مصير فرعون قبل سقوطه، وهكذا هم الطغاة جميعاً على مر التاريخ. والأحداث المقبلة ستؤكد هذه السنة الإلهية في خلقه، فعدالة الله كفيلة بإنهاء وجودهم إلى الأبد وعلى يد من وصفهم الله بأولي البأس الشديد من عباده.
إن هذا الإمعان في غطرسة القوة والتمادي في ارتكاب الجرائم هو "جنون السقوط" الذي يصيب الأمم حين تقترب من حتفها؛ فالتاريخ لا يحابي أحداً، وسنن الكون تؤكد أن الطغيان حين يبلغ مداه وينتهك حرمات الدماء بلا وازع، فإنه يستدعي أسباب هلاكه من داخله. فكلما ازداد المجرم بطشاً وتجرداً من آدميته، اقتربت اللحظة التي يتحول فيها إجرامه إلى ثقلٍ يفتك بكيانه، ويجعل من نهايته عبرةً تتناقلها الأجيال، لتثبت أن العلو في الأرض بغير الحق ليس إلا بريقاً خادعاً يسبق الانكسار الأخير، وأن دماء المظلومين ستظل لعنةً تطارد الجلاد حتى يواريه الثرى مهزوماً مدحوراً.
ولعل النظام النازي يُعد المثال الأبرز على "جنون العظمة" الذي يسبق الهلاك. فبعد أن بلغت غطرسة هتلر مداها باجتياح أوروبا ومحاولة إبادة شعوب بأكملها وتبني نظريات "النقاء العرقي" الدموية، اعتقد النظام أنه سيحكم لألف عام. لكن هذا التوسع الانتحاري والإجرام غير المسبوق استنهض العالم ضده، فكانت نهايته انتحاراً في قبو تحت الأرض وتفتت الدولة التي أراد تعظيمها.
وكذلك جسّد موسوليني فكرة "علو الطغيان" الذي يغيب عنه العقل؛ فبينما كان يمارس أبشع أنواع التنكيل بالمعارضين وبشعوب الدول التي استعمرها (مثل ليبيا وإثيوبيا)، كان يظن أنه يعيد أمجاد الإمبراطورية الرومانية. لكن نهايته المخزية على يد شعبه وتعليقه في الميادين كانت تجسيداً حياً لنهاية كل طاغية استباح الدماء وظن أنه فوق سنن التاريخ.
كما أن نظام الفصل العنصري مثل شاهداً آخر على قبح الطغاة عندما تمادى في قهر السكان الأصليين وسنّ قوانين تجردهم من إنسانيتهم، وظن قادته أن ترسانتهم العسكرية ودعم القوى الغربية سيحمي أمنهم إلى الأبد. إلا أن الإمعان في الظلم ولد ضغطاً داخلياً وعزلة دولية خانقة، حتى انهار النظام من الداخل وتحول رموز النضال من السجون إلى سدة الحكم، وطويت صفحة العنصرية إلى غير رجعة.
وفي منتصف القرن العشرين، بلغت الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا، ذروة وهم القوة، ورأت بأن التوحش سيسكت الشعوب المستضعفة إلى الأبد. إلا أن التاريخ يخبرنا أن "التوحش" ليس دليلاً على القوة، بل هو السهم الأخير في جعبة المستعمر حين يفقد السيطرة السياسية والأخلاقية، ومع زيادة وتيرة القمع والمجازر (مثل مجازر 8 مايو 1945 في الجزائر)، كانت تلك الدماء هي الوقود الذي أشعل الثورات الشاملة التي أجبرت المستعمر على الرحيل ذليلاً إلى غير رجعة.
وهذا هو مصير الصهاينة الحتمي، وهذا ليس رجماً بالغيب وإنما قراءة في كتاب السنن الإلهية والتاريخية التي أطاحت بفرعون والنازية وكل قوى الفصل العنصري من قبل؛ فحين يصل الطغيان إلى ذروة "التبجح بالإجرام"، يكون قد استوفى شروط زواله. والأيام الحبلى بالأحداث ستكشف أن هذه القوة الغاشمة، مهما بلغت من العلو والتجبر، ستصطدم في نهاية المطاف بصخرة الإرادة الصلبة لـ "عبادٍ لنا أولي بأسٍ شديد"، لتطوى صفحة الظلم وتعود الأرض لأهلها، محققةً وعد الله بإنهاء باطلهم إلى الأبد، "وكان وعداً مفعولاً".
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

