ممالك النفط.. مفعول بها أم مفعول فيها؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
نحن نعلم أن دول الخليج لا تملك من أمرها شيئاً، فهي في موقع "المفعول به" نتيجة خنوعها المطلق للأوامر الأمريكية التي جعلت من ثرواتها وأراضيها قواعدَ لتمويل وحماية الكيان الصهيوني من أي تحركات لتحرير الأمة، أو حتى من حكامها المستبدين الموالين للصهيونية العالمية، مقابل حماية عروشهم وثرواتهم الشخصية.
إلا أنها رغم خنوعها تستجدي السيد الغربي أن يجعل لها بعض الهيبة في مواجهة شعوبها وجيرانها من أبناء الأمة الإسلامية، ومن هنا كان الاستثمار الضخم في الإعلام والمواقف السياسية المتناقضة التي أظهرت الأنظمة الخليجية بمظهر "الفاعل" ولكن بصلاحيات محدودة لا تتجاوز المحيطين الإقليمي والمحلي؛ وحتى السلاح المتراكم في مخازنها يبقى خاضعاً لرغبات اللوبي الصهيوني ويخدم فقط حروب الكيان لا حروب دول الخليج، رغم ما دفعوه مقابل تلك الترسانة من ثروات شعوبهم.
إلا أن هذه الدول سرعان ما عادت إلى وضعيتها الحقيقية بمجرد اندلاع أول حرب حقيقية في منطقتها؛ فالصراع بين إيران والقوى الصهيونية كشف حقيقة الوضع في دول الخليج، وأنها لا تملك من أمرها شيئاً سوى أن الحرب تدور على أرضها وبتمويلٍ منها دون أن يكون لها الحق في اتخاذ قرار الحرب والسلم، لتثبت أنها ليست فقط في خانة "المفعول به"، بل وحتى في خانة "المفعول فيه"؛ فهي مجرد ظروف زمكانية تحتوي الحدث دون أن تؤثر فيه.
أما بالنسبة لعنترياتها الإعلامية فهي أحادية الاتجاه، وتحديداً ضد أحرار الأمة أو أي تيار معادٍ للهيمنة الغربية؛ وقد رأينا كيف تجاهل الإعلام السعودي إهانة ترامب الكبرى لولي العهد محمد بن سلمان، وكيف اختزل خطاب العار في المقدمة التي امتدح فيها ابن سلمان تمهيداً لجلده بتلك الألفاظ المسيئة، رغم أن الإعلام السعودي نفسه شن حرباً إعلامية على مصر قبل نحو أسبوع بسبب عبارة عن "آل البيت" في خطبة الجمعة الشهيرة أمام رئيسها عبد الفتاح السيسي.
إنها سياسة العصا التي أثبتت فعاليتها مع دول الخليج؛ فمثل هذه الأنظمة لا تحترم من يحترمها، وتتعامل معه بنفس الأسلوب "السادي" الذي يمارسه معها الحاكم الغربي. وقد رأينا في اليمن كيف كانت نظرتهم الدونية للشعب على مدى عقود، وكيف يتعاملون حتى مع العمالة اليمنية التي فرت من أرضها بسبب تدخلاتهم السياسية والاقتصادية التي أفقرت البلاد وأوصلتها إلى ما دون خط الفقر، وهذا التعامل هو السائد مع سائر الشعوب العربية والإسلامية كافة.
لكن هذه الأنظمة، في المقابل، تظل أسيرةً لـ "عقدة الأجنبي" المتجذرة في وعيها السياسي والاجتماعي؛ فهي تمنح المغترب القادم من أوروبا وأمريكا قدسيةً استثنائية، وتفتتح له أبواب المناصب الحساسة والمستشارية في أرقى مؤسساتها الوطنية وبرواتب خيالية، رغم كونه عنصراً طارئاً لا يربطه بالأرض سوى عقد العمل. والمفارقة التاريخية تكمن في أن هؤلاء "الخبراء" هم أول من غادر الخليج عند نشوب الحرب، مخلفين وراءهم العمالة العربية والإسلامية التي بنت عواصمهم بجدّها وعرقها، وهي التي تحمي حياض هذه البلاد فعلياً منذ تأسيسها قبل أقل من نصف قرن.
وهذا التمييز "العرقي والطبقي" يثبت أن دول الخليج لا ترى في محيطها العربي والإسلامي عمقاً استراتيجياً، وإنما مجرد ساحة لتفريغ فائض قوتها وساديتها، بينما تظل في حالة ارتهان وجداني لكل ما هو غربي. وبذلك، تكتمل حلقة "المفعول فيه"، حيث تصبح هذه الدول مجرد وعاء جغرافي يستوعب المصالح الغربية ويطرد أصحاب الحق والأرض، في استلابٍ تام للسيادة والهوية، وانحيازٍ مطلق لجلادها الذي لا يراها إلا "بقرة حلوباً" تنتهي قيمتها بجفاف ضرعها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

