سورية تجدد العهد لفلسطين
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تشهد المدن السورية قاطبة مظاهراتٍ غير مسبوقة أعقبت التصويت الصهيوني على مرسوم إعدام الأسرى الفلسطينيين، في ظاهرة شعبية قلبت الموازين السياسية في البلاد وجعلت العدو الإسرائيلي يراجع حساباته مع دمشق وسلطة الأمر الواقع التي أرادتها تل أبيب بوابة للتطبيع وممراً لتحقيق "إسرائيل الكبرى" الذي طالما راهنت في تنفيذه على الجولاني وجماعته منذ العام 2011.
إلا أن الشعب السوري قال كلمته: "لا للتطبيع"، والأنكى من ذلك أن الجماهير السورية رفعت شعاراتٍ أصيلة تنادي بالجهاد ضد العدو الصهيوني وبدحره من سورية وفلسطين معاً، وترفض الفكرة السائدة في الإعلام الخليجي المتصهين والتي تزعم بأن سورية الجديدة ستكون حاضنة للمشروع الصهيوني وبأن الشعب السوري لا يرى في الكيان عدواً له، في محاولة لاختزال العداء للصهيونية في النظام السابق الذي سقط وسقطت معه كل مشاعر الدعم والإسناد للشعب الفلسطيني ولقضيته العادلة.
الحراك السوري أعاد للأمة فكرة أن الشعوب لا تموت وأن خيوط التطبيع لن تصمد طويلاً في مواجهة الوعي الجماهيري الرافض للخنوع، حتى وإن بدا يوماً في مشهد الخانع، وما جرى في سورية يمثل رسالة لسائر الأنظمة العميلة بأن التطبيع خيار الطواغيت والخونة ولم ولن يكون يوماً خيار الشعوب الحرة، وعلى مصر والأردن بالأخص، أن تحذرا من ثورات شعبية قد تطيح بهما كما أطاحت بالسادات ومبارك من قبل.
وهذا التحذير هو قراءة في كتاب الشعوب؛ فالتاريخ يخبرنا أن 'اتفاقية السلام' لم تمنع الشعب المصري من اغتيال السادات معنوياً وتاريخياً، ولم تمنع الأردنيين من الاستمرار في وصف الكيان بـ'العدو' رغم العقود الثلاثة على اتفاقية وادي عربة، ولعل نموذج 'اتفاق 17 أيار' في لبنان عام 1983 يظل الشاهد الأكبر، حيث سقط الاتفاق تحت ضربات الإرادة الشعبية قبل أن يجف حبره، وهو المصير ذاته الذي ينتظر 'الاتفاقات الإبراهيمية' التي ولدت في غرف الترف الخليجي بعيداً عن نبض الشارع العربي.
كما أنها تؤكد بأن لعنة التطبيع لم تمت، فكما هلك بها رؤساء مصر والملك حسين ومعاوية ولد الطايع وزين العابدين بن علي، فإن اللعنة مستمرة وتفتك بصهاينة العرب، ولعل ما تعانيه الأنظمة الخليجية اليوم خير شاهد على حجم الخسائر التي جلبها التطبيع، إضافة إلى لعنة التاريخ وتدنيس كل اسم ارتبط بالمشروع الصهيوني في المنطقة وأراد للكيان المجرم أن يكون دولة فعلية تهيمن على القرار والثروات العربية وتخسف بأحرار الأمة قادةً وشعوباً.
لقد أثبت الحراك السوري أن فلسطين هي 'البوصلة الأخلاقية'؛ فبرغم كل الجراح السورية النازفة، ظلت القدس هي الضماد الذي يوحد الصفوف، وأثبتت الجماهير أن 'سورية الجديدة' هي التي تستمد شرعيتها من انتمائها لعروبتها وللقضية الفلسطينية، أما ما يروج له الإعلام 'المتصهين' من أن السوريين قد استنزفتهم الحرب لدرجة نسيان فلسطين، هو سقطة مهنية وأخلاقية كبرى. فالسوري الذي قاوم مشاريع التقسيم والتفتيت على مدار سنوات، يدرك بالفطرة أن عدوه في 'إدلب' أو 'دمشق' أو 'حلب' هو ذاته المحرك لمشاريع الاستيطان في 'القدس' و'الخليل'، وأن العدو واحد والمعركة واحدة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

