ثلاثية الاستنزاف الاستراتيجي: كيف تحوّلت حرب الهيمنة إلى عبءٍ على النظام الأمريكي؟
عدنان عبدالله الجنيد*
من منطق الصدمة إلى منطق التآكل
لم تَعُدِ المواجهةُ الدائرةُ في الإقليم مُجَـرّد صراعٍ عسكريٍّ محدود، بل تحوّلت إلى نموذجٍ لحربِ استنزاف استراتيجيةٍ متعدّدةِ الجبهات، أعادت تعريف العلاقة بين القوّة العسكرية والقدرة السياسية على الاستمرار.
فبينما راهنت واشنطن على الحسم السريع وإعادة فرض الهيمنة، وجدت نفسها أمام مسارٍ معاكس تتآكل فيه أدوات القوّة، ويتزايد فيه الاضطراب داخل القرار السياسي.
منذ مطلع عام 2026، لم تَعُد التطورات قابلة للقراءة كحوادثٍ منفصلة، بل كمسارٍ متكامل تُغذّيه ثلاث ساحاتٍ رئيسية: الجو، والبحر، والبر، حَيثُ انقلب التفوّق الأمريكي من عنصر ردعٍ إلى عامل استنزاف ذاتي.
أولًا: السماء المتنازع عليها
شكّلت المواجهة الجوية مع إيران نقطة تحوّل نوعية في طبيعة الصراع.
فالسماء، التي كانت تُعدّ مجالًا آمنًا للقوّة الأمريكية، تحوّلت إلى بيئة اشتباك معقّدة، تُفرض فيها كلفةٌ عالية على أي اختراق.
الخسائر الجوية، في الطائرات المسيّرة والمأهولة ومنصّات الدعم، عكست تراجع فعالية نموذج التفوّق القائم على الهيمنة الإلكترونية والتفوّق الاستخباراتي.
الأهم من الخسائر هو فقدان حرية العمل الجوي، وتحول العمليات إلى نشاطٍ عالي المخاطر؛ ما فرض قيودًا مباشرة على القرارين العسكري والسياسي.
وقد أسهم اعتماد منظومات دفاعية تقوم على الرصد السلبي وتكامل المستشعرات في فرض معادلة جديدة: التفوّق لم يَعُد امتلاك التكنولوجيا، بل القدرة على تعطيلها.
ثانيًا: البحر الأحمر كساحة استنزاف
في الجبهة البحرية، واجهت الولايات المتحدة معضلة غير مألوفة: العجز عن تأمين الملاحة رغم الحضور الكثيف للأساطيل.
الهجمات اليمنية تعاملت مع السفن كجزءٍ من منظومة اقتصادية–سياسية داعمة للعدوان؛ ما أَدَّى إلى ارتفاع كلفة التأمين، وتعطّل سلاسل الإمدَاد، وتراجع هامش المناورة لدى الحلفاء.
وهكذا، انتقل الصراع من الجغرافيا إلى عمق السوق العالمية، وتحولت القوّة البحرية من أدَاة ردع إلى عبءٍ تشغيليٍّ دائم.
ثالثًا: البرّ اللبناني والارتدادات الداخلية
على الجبهة البرية، أظهرت المواجهات في جنوب لبنان تراجع فعالية الردع المدرّع، حَيثُ باتت الدبابات أهدافا مكلفة في بيئة تعتمد المسيّرات الانقضاضية والصواريخ الموجّهة والاستخبارات الدقيقة.
هذا التحول أصاب العقيدة القتالية نفسها، وأعاد طرح سؤال جدوى الحروب البرية التقليدية.
في الداخل الأمريكي، تزامن التعثّر العسكري مع اضطراب سياسي واقتصادي، كشف أن الحرب تحوّلت من أدَاة نفوذ إلى عبءٍ متزايد على النظام.
ما يجري لا يمثّل سقوطًا فوريًّا للهيمنة، بل بداية مرحلةٍ انتقالية تتآكل فيها السيطرة، وتُفرض فيها معادلات توازنٍ جديدة بالقوّة المركّبة.
وفي هذا السياق، يُعاد تشكيل ميزان التاريخ.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

