الوعد الصادق وانهيار عرش الاستكبار
عدنان عبدالله الجنيد*
لم يكن توافق إعلان النصر في حرب الأربعين يومًا (2026) مع ذكرى أربعينيات الإمام الخميني مُجَـرّد صدفة تقويمية، إنما تجلٍّ لإعجاز تاريخي.
ويصادف هذا الإعجاز التاريخي أَيْـضًا أربعينية استشهاد المرشد الأعلى السيد علي خامنئي (شهيد القدس)، السعيد الصائم الذي ارتقى على طريق تحرير المسجد الأقصى، فجاء نصر الأربعين متوجًا بدم القائدين: المؤسّس والحارس.
تحولت (الأربعينية) من مدرسة لإسقاط طاغوت الداخل بعبقرية الإمام، إلى استراتيجية عسكرية عالمية (الوعد الصادق 4) سحقت في 40 يومًا فقط أضخم ترسانة استعمارية عرفها التاريخ، لتعلن بوضوح أن زمن الهزائم قد ولى، وأن إرادَة الشعوب المستمدة من روح الله هي القدر الذي لا يُرد.
المحور الأول: هندسة الروح– كيف حوّل الخميني الأربعينية من مأتم إلى منصة لإسقاط العروش؟
لم تكن الثورة الإسلامية انفجارا عشوائيًّا، بل كانت هندسة نضالية فريدة ابتكرها الإمام الخميني (قدس سره).
استطاع بعبقريته القيادية تحويل الطقس الجنائزي إلى دينامو سياسي، مؤسّسا لمنهجية الأربعين يجر الأربعين:
١- ديناميكية التعبئة المُستمرّة: حوّل الإمام مجالس العزاء إلى وقود سياسي؛ فمن أربعينية شهداء قم ولدت انتفاضة تبريز، ومنها انطلقت أربعينيات المدن الأُخرى، مما خلق دائرة مغلقة من التعبئة شلت أركان نظام الشاه واستنزفت قدراته الأمنية حتى السقوط.
٢- فلسفة الدم المنتصر: لم ينظر الإمام إلى الأربعين كحدث تاريخي، بل كمنهج كفاح ومؤتمر عالمي للمستضعفين، محولًا إياها من مُجَـرّد ذكرى للحزن إلى واجب شرعي ووطني يمنح الجماهير دافعًا إيمانيًّا لا يهاب الموت.
هكذا تحولت الأربعينيات من مآتم إلى مدرسة في علم النفس الجماهيري، رسمت الخرائط الأولى لمعادلات النفوذ والكرامة التي نجني ثمارها اليوم.
المحور الثاني: إعصار الميدان- الاستراتيجية التي سحقت الهيمنة وفرضت سيادة مضيق هرمز:
في حرب الأربعين يومًا (2026)، تحولت مدرسة الإمام إلى واقع عسكري كسر هيبة الاستكبار العالمي.
لم تكتفِ إيران بصد العدوان، بل نجحت في إعادة رسم خارطة القوة عبر معادلات ردع غير مسبوقة:
١- المعجزة التكنولوجية (المسيرات والصواريخ): محطمةً غطرسة الآلة العسكرية الأمريكية، ومعلنةً رسميًّا عصر 'كسر التفوق التقني' (Overmatch)، حَيثُ سقطت أُسطورة الهيمنة الجوية أمام عبقرية الابتكار السيادي.
٢- النصر الجيوسياسي الأكبر: توجت هذه الملحمة بفرض السيادة المطلقة على مضيق هرمز.
لم يعد المضيق مُجَـرّد ممر مائي، بل صار شريانًا سياديًّا تفرض فيه إيران رسوم عبور وتضع قواعد المرور الآمن، في أضخم تحول لقوانين التجارة البحرية منذ قرون، لتنهي زمن 'الممرات المستباحة' للاستعمار، وتدشّـن عصر الممرات السيادية التي تحمي حقوق الشعوب لا مصالح النهب الأجنبي
· صون محور المقاومة: لم تكن المعركة إيرانية فحسب، بل ملحمة مشتركة خاضها محور المقاومة في لبنان والعراق واليمن وفلسطين.
أثبتت الحرب أن استهداف أي جزء من المحور هو استهداف للكل، وانتهت بفرض وقف العدوان على كافة الجبهات، مما عزز وحدة الساحات وجعل المحور كتلة فولاذية أكثر تسليحًا وخبرة وترابطًا من أي وقت مضى.
لتعلن للعالم أن معركة الأربعين لم تكن دفاعًا عن إيران فقط، بل كانت دفاعًا عن كرامة أُمَّـة.
المحور الثالث: تقاطع الدم (إبريل 2026) – من ميثاق التأسيس إلى ملحمة الاستسلام:
شهد الثامن من إبريل 2026 لحظة فارقة تداخلت فيها أربعينية المؤسّس مع أربعينية استشهاد المرشد الأعلى السيد علي خامنئي (شهيد القدس)، لتتحول الصدمة الأمنية إلى نصر إلهي محتوم:
١- ثمار البنود العشرة: أجبرت إيران أمريكا على قبول شروط الاستسلام الكامل؛ من الرفع الشامل لكافة العقوبات (الأولية والثانوية)، إلى الاعتراف بالحقوق النووية السيادية، وُصُـولًا إلى الانسحاب الذليل للقوات القتالية الأمريكية من المنطقة، في مشهدٍ أعاد للأذهان 'هروب كابل'، لكنه هذه المرة كان الهروب النهائي الذي طوى صفحة الوجود الأمريكي في غرب آسيا إلى الأبد
٢- وحدة الساحات: تجلى انتصار الأربعين في فرض وقف العدوان على كافة الجبهات (لبنان، اليمن، العراق، فلسطين)، مما حوّل محور المقاومة إلى كتلة لا تُخترق، وأسس لواقع إقليمي لا مكان فيه للصهيونية العالمية.
٣- التعبئة تحت دم الشهيد: تحولت مراسم الأربعين من مواكب عزاء إلى أكبر عملية تحشيد عسكري ونفسي في التاريخ، حَيثُ رفعت الجماهير شعار الثأر للشهيد الحارس كعنوان للمرحلة القادمة.
المحور الرابع: ما بعد الأربعين– المكاسب الاستراتيجية والتحول نحو عالم متعدد الأقطاب:
تتجاوز مكاسب هذه الملحمة الحدود الجغرافية، لترسم ملامح نظام عالمي جديد:
١- داخليًّا (إيران القوية): التفاف شعبي مليوني تاريخي وأد أحلام الفوضى، وتحرّر من قيود العقوبات، وتدفق استثمارات إعادة الإعمار عبر عائدات مضيق هرمز، وتثبيت حق تخصيب اليورانيوم كحق سيادي.
٢- إقليميًّا (إعادة صياغة المنطقة): طرد الوجود العسكري الأجنبي وتأسيس تعاون إقليمي سيادي (نموذج التعاون مع سلطنة عمان)، وتحول مضيق هرمز إلى شريان اقتصادي تحت الإدارة الإيرانية الكاملة.
٣- عالميًّا (عالم متعدد الأقطاب): حطم زلزال الـ40 يومًا الهيبة الأمريكية وسرّع من وتيرة الانتقال إلى نظام عالمي جديد، حَيثُ أصبحت إيران طرفًا أصيلًا لا يمكن تجاوزه في أمن الطاقة والتجارة الدولية، وأصبحت البنود العشرة مرجعًا لأي تفاهمات مستقبلية، بعد أن سقطت بروباغاندا الإعلام الصهيوني تحت أقدام الملايين الزاحفة في ميادين العزة.
الخلاصة: إعصار لا يهدأ.. فرحة النصر الكبرى:
لقد رحل الإمام الخميني جسدًا، لكن أربعينياته لا تزال هي المحرك للسيادة والكرامة من طهران إلى صنعاء وبيروت.
إن انتصار 8 إبريل 2026 هو البرهان الساطع على أن الأُمَّــة التي تقدس شهداءها وتحول جراحها إلى استراتيجيات ردع، هي أُمَّـة لا تُستعبد.
مع إعلان بيان المجلس الأعلى للأمن القومي، تحولت مدن إيران من طهران إلى مشهد ومن خوزستان إلى هرمزجان إلى ساحات احتفال كبرى.
غصت الميادين بالحشود الشعبيّة المليونية التي خرجت بفرحة عارمة ترفع رايات النصر وصور القادة الشهداء، وسط توزيع الحلوى وهتافات الانتصار على الصهيونية العالمية والرئيس الأمريكي الجاهل.
إنها فرحة النصر الكبرى التي تؤكّـد أن الشعب الإيراني ليس فقط خلف قيادته، بل هو صانع النصر الحقيقي الذي حوّل الألم إلى مجد، والتهديد إلى سيادة مطلقة.
إن كُـلّ ما لدينا هو من عاشوراء وأربعينياتها..
واليوم نكتب بدم القادة فصلًا جديدًا من فصول النصر النهائي.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

