سيرج شميمان*



صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تنشر مقالاً حول تراجع مكانة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدى القادة الأوروبيين، في ظل تصاعد توتراته معهم على خلفية الحرب على إيران وخلافاته مع حلف "الناتو".

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:


قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأسبوع الماضي: "عندما نكون جادين، لا نقول كل يوم عكس ما قلناه بالأمس"، مضيفاً بحدة: "وربما لا ينبغي للمرء أن يتحدث كل يوم".

بدا الأمر وكأنه رجل بالغ يخاطب طفلاً مشاغباً، وربما كان هذا ما قصده الرئيس الفرنسي. وكان هدف توبيخه، بالطبع، دونالد ترامب. تحدث ماكرون بعد وقت قصير من إطلاق الرئيس الأميركي تصريحات فظة أخرى تضمنت تعليقات بذيئة بحق الرئيس الفرنسي وزوجته.

يُعد ماكرون، من بين القادة الأوروبيين القلائل الذين تعاملوا مع ترامب منذ اليوم الأول لولايته الأولى تقريباً. ويعكس تحوله من الاحترام المبدئي والصداقة المصطنعة إلى التوبيخ العلني مدى تراجع احترام الرئيس الأميركي بين القادة الأوروبيين وشعوبهم. لقد أوضحت حرب ترامب على إيران، التي لم يُستشر فيها حلفاء الناتو، والتي رفضوا المشاركة فيها لاحقاً، أن الأوروبيين لم يعودوا يُجلّون السيد ترامب باعتباره "الزعيم الفعلي للعالم الحر".

أدلى السيد ترامب بتصريحاته حول السيد ماكرون وزوجته خلال غداء عيد الفصح مع قادة مسيحيين وحلفاء مقربين. لم تكن هذه التصريحات مُعدّة للنشر، لكنها سُرّبت، بطريقة ما، إلى موقع "يوتيوب" لفترة كافية، ليتم تحميلها ومشاركتها على نطاق واسع. وكعادة خطابات ترامب النارية، فهي مليئة بالاستياء والحقد والفظاظة: فـبالإضافة إلى سخريته من عائلة ماكرون، هاجم حلف "الناتو" والمحكمة العليا. ويُصبح الفيديو مُزعجاً بشكل خاص، عندما تُشبّه مستشارة السيد ترامب الروحية، بولا وايت، الرئيس بيسوع المسيح، عندما قالت، "لقد خُنتَ واعتُقلتَ. واتُهمتَ زوراً".

لكن حديث الغداء هذا لم يكن سوى عاصفة عابرة في فترة أطلق فيها ترامب، المُستثار بسبب الحرب على إيران التي لم تكن تسير كما يشتهي، تهديدات نارية بإبادة البلاد.

كتب السيد ترامب صباح أحد عيد الفصح، مُضيفاً عبارة "الحمد لله" دون أي داعٍ: "يوم الثلاثاء سيكون يوم محطة الطاقة، ويوم الجسر، مُجتمعين في يوم واحد، في إيران. لن يكون هناك مثيلٌ له!!! افتحوا المضيق اللعين، أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم - فقط شاهدوا!".

وفي يوم الثلاثاء، أعلن أن "حضارةً بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبداً"، مُهدداً بذلك بانتهاكٍ خطير لاتفاقيات جنيف، قبل ثمانٍ وثمانين دقيقة من الموعد النهائي المُرعب في الساعة الثامنة مساءً، تراجع السيد ترامب.

في وقتٍ ما، كان سيل الإهانات والأكاذيب والشتائم والتهديدات والحقد التي يطلقها السيد ترامب تثير تساؤلات لدى القادة الأجانب حول ما إذا كان ترامب يتعمّد إثارة الاستياء لتحقيق غاية ما، كإجبار الحلفاء الأوروبيين على زيادة مساهماتهم في حلف "الناتو"، أو كنوع من استراتيجية "نظرية الرجل المجنون" التي وضعها الرئيس ريتشارد نيكسون، لإقناع خصومه بأن الرئيس لا يمكن التنبؤ بتصرفاته بشكل خطير. حاولوا استرضاء السيد ترامب بالثناء والاحتفالات، آملين في توجيهه نحو مسار أكثر إنتاجية.

لكن بعد مرور أكثر من عام على عودة السيد ترامب إلى البيت الأبيض، خلص الأوروبيون، ومعظم دول العالم، إلى أنّ أي قدر من التملق أو التذلل لن يكسبه سوى موافقة عابرة. إنّ وابل الرسوم الجمركية الذي استهلت به ولاية ترامب الثانية، والذي استهدف بشكل عشوائي الصديق والعدو، إن المطالب الصارخة من الدنمارك بالتنازل عن غرينلاند للولايات المتحدة، وغياب أي تشاور مع الحلفاء الأوروبيين قبل الانضمام إلى إسرائيل في هجومها على إيران الذي أثر على العالم أجمع، قد بددت أي وهم لدى معظم الأوروبيين بأن السيد ترامب ليس إلا خطراً لا يمكن التنبؤ به، وانتقامياً، ولا يمكن السيطرة عليه.

ويكمن خلاف السيد ترامب الحالي مع حلف "الناتو" في عدم استجابة أي من أعضائه لدعوته للمساعدة العسكرية في فتح مضيق هرمز، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان سيحاول سحب الولايات المتحدة من الحلف، أو حتى حول جدوى الحلف في الوقت الراهن.

ومع ذلك، لم يُقنع ذلك حتى الآن أيًا من القادة الأوروبيين بالاستسلام، على الرغم من استفزازات السيد ترامب المستمرة. وقد صرّح رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بأنه سيتمسك بموقفه من الحرب "مهما كانت الضجة". وفي الشهر الماضي، تبنى وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، موقفًا مماثلًا، قائلًا: "هذه ليست حربنا". وردّ السيد ترامب بوصف حلفاء الناتو بـ"الجبناء".

حتى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، إحدى أقرب حلفاء ترامب الأوروبيين، نأت بنفسها هذا الأسبوع عن تهديداته غير المسبوقة لإيران. وقالت: "من الضروري التمييز بوضوح بين مسؤوليات النظام ومصير ملايين المواطنين العاديين".

وبذلك، أصبح رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان فعلياً الحليف الأكثر ولاءً لترامب في أوروبا، وهو ما يفسر إرسال نائب الرئيس، جي دي فانس، لدعم أوربان قبل انتخابات الأحد التي قد يخسرها. إلا أن موقف أوربان من الحرب على إيران لا يزال غامضاً، خاصة بعد أن نشرت صحيفة "واشنطن بوست" يوم الأربعاء تقريراً يفيد بأن المجر عرضت مساعدة إيران في عام 2024 بعد أن فجرت "إسرائيل" آلاف أجهزة النداء التابعة لحزب الله، حليف إيران في لبنان.

أما مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، والذي يُعتبر من المقربين لترامب، فقد يكون من بين القلائل - إن لم يكن آخر - القادة الأوروبيين الذين ما زالوا متمسكين بسياسة التملق. لقد سعى جاهداً للحفاظ على علاقات ودية مع السيد ترامب، مُلمحاً بشجاعة إلى أن غضب السيد ترامب من الحلف مفهوم وسيزول. لكن في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي عقب محادثات مع السيد روتّه، كرّر الرئيس غضبه، وأضاف غرينلاند إلى كلامه: "لم يكن الناتو موجوداً عندما احتجنا إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً. تذكروا غرينلاند، تلك القطعة الكبيرة من الجليد سيئة الإدارة!".

على الأقل لم يُطرح أي حديث جديد عن الانسحاب من الناتو، في الوقت الراهن. لم يُثر هذا الخطاب الصاخب أي ردود فعل قوية من القادة الأجانب. كان هذا هو السيد ترامب كما عهدناه: ممل، متكرر، فظ. لا يزال خطيراً، ولا يزال بإمكانه شنّ هجوم إرهابي على الشعب الإيراني إذا انهار وقف إطلاق النار. لكن من المرجح الآن أن تثير عباراته الحادة المكتوبة بأحرف كبيرة، وخطاباته المتبجحة، وإهاناته البذيئة، استهزاءً فرنسياً.

* المادة نقلت حرفيا من موقع الميادين