وانتصرت الإمارات على العدم
السياسية || محمد محسن الجوهري*
يحتفل الإعلام الإماراتي، بما في ذلك مرتزقتها في اليمن، بانتصارٍ مزعوم تحقق على الجمهورية الإسلامية في إيران، رغم أن الإمارات، ولا غيرها من دول الخليج، أطلقوا رصاصة واحدة في هذه الحرب وكانوا جميعاً في موقع "المفعول به" حيث أقحمتهم واشنطن في الحرب رغماً عنهم عبر استخدام أراضيهم للقتال ما جعل منها ساحة حرب كبرى بعد أن أصبحت وسيلة لعمليات انتقامية قادمة من إيران.
والنتيجة هي ما أقرت به واشنطن من خروج 14 قاعدة عسكرية عن الخدمة في الخليج، وبخروج أجزاء واسعة من البنية التحتية لأسطولها الخامس في البحرين عن الخدمة، إضافة إلى تجريد الإمارات وغيرها من حلفاء واشنطن من قرارها السيادي، واستُنزفت أموالها لتمويل آلة الحرب الأمريكية التي كلفت واشنطن وحدها 45 مليار دولار، دفع الحلفاء العرب الجزء الأكبر منها من "كيسهم" ومن أمن استقرارهم.
إن المشهد اليوم يكشف زيف هذه الاحتفالات؛ فإيران التي زعموا هزيمتها هي التي تفرض الآن شروطها على الطاولة، وهي التي أغلقت مضيق هرمز -شريان الحياة الاقتصادي لهذه الدول- رداً على الغدر الصهيوني في بيروت، واضعةً ترامب وإدارته أمام خيارين أحلاهما مر: إما الخضوع لشروط طهران ورفع العقوبات، أو مواجهة انهيار اقتصادي عالمي. وبينما ينشغل المرتزقة في اليمن بترديد شعارات الفرح، يخرج ترامب ليصف النظام الإيراني بـ "القوي"، في حين لا يرى في حلفائه الخليجيين سوى "صرافات آلية" تدفع لضمان بقائها.
لقد أثبتت هذه المواجهة أن "الانتصار المزعوم" لم يكن سوى غطاء لعملية غدر كبرى تعرضت لها هذه الدول من حليفها الأمريكي، الذي باعهم الوهم ثم ذهب ليفاوض طهران "بمعزل عنهم" في باكستان، باحثاً عن مخرج يحفظ ماء وجهه. إن الحقيقة التي يتهربون منها هي أن السلام والأمن لا يتحققان عبر التبعية للمشاريع الصهيو-أمريكية، بل عبر قوة الحق والوقوف في وجه الغدر، وهو ما يثبته اليوم المقاومون في لبنان وفلسطين واليمن، الذين فرضوا معادلاتهم رغم أنف التحالفات الورقية التي تحتفل بانتصار لم تصنعه، وعلى عدو لم يهزم.
إن هذا المشهد يعكس الحقيقة المرة التي تتجاهلها العواصم الخليجية؛ فواشنطن التي لم تتردد في التضحية بمصالح الكيان الصهيوني الحيوية في البحر الأحمر حينما استشعرت كلفة المواجهة مع اليمن، مكتفيةً بحماية قطعها البحرية، هي ذاتها التي تفاوض طهران اليوم على ترتيبات أمنية تضمن مصالح الإمبراطورية الأمريكية أولاً. فإذا كان "الابن المدلل" للغرب قد تُرك وحيداً في مواجهة صواريخ الإسناد، فإن دول الخليج التي استمرأت دور "التابع" ليست سوى ورقة ضغط ثانوية في بازار المصالح الكبرى، حيث تُسلب أموالها وتُستخدم أراضيها، ثم تُترك لتواجه مصيرها حين يحين وقت المقايضة.
إن الرهان على "الحماية الأمريكية" أثبت فشله الذريع في هذه المواجهة؛ فبينما كانت الإمارات والمنظومات الإعلامية التابعة لها تروج لـ "تحالف دولي" ينهي الخطر الإيراني، كان الواقع يصدمهم بتفكك هذا الحلف، وانسحاب دول أوروبية من المعركة بدعوى أنها "ليست حربهم". بل إن الأدهى من ذلك هو قيام واشنطن بتفكيك منظومات دفاعية استراتيجية من دول حليفة لزجها في معارك خاسرة، مما كشف ظهر هذه الدول وجعلها عرضة للرد القادم من الشرق، في وقت أثبتت فيه السردية الإيرانية قدرتها على الصمود وفرض شروطها بفتح أو إغلاق مضيق هرمز وفق توقيتها الخاص.
إن الدرس المستفاد من أحداث الساعات الأخيرة، ومن شواهد الغدر الأمريكي التي لا تنتهي، هو أن الثروات التي تُنفق على "الحماية الوهمية" لن تشتري أمناً لكيانات هشة لا تمتلك قرارها. فإذا كان الكيان الصهيوني بكل ما يمتلكه من لوبيات في واشنطن يواجه خطر الزوال عند أول "تخلٍّ" تكتيكي أمريكي، فإن دول الخليج التي اعتادت تلقي الصفعات الغربية بابتسامة المنهزم هي أولى بمراجعة حساباتها؛ فالسلام الحقيقي لا يُشترى بالمال، بل يُفرض بالمنعة والكرامة، وما لم تدرك هذه العواصم أن "الأمريكي" يبيع حلفاءه عند أول منعطف، فإنها ستجد نفسها وحيدة في مواجهة طوفان لن تبقي فيه الاحتفالات الوهمية ولا الصرخات الإعلامية حجراً على حجر.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

