طوفان الجنيد*

في واحدةٍ من أدقّ المراحل التاريخية، وأكثرها خطورةً وحساسية، التي يمرّ بها لبنان والمنطقة، أطلّ علينا سماحة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، حفظه الله، بخطابٍ وُصف بالتاريخي، وضع فيه النقاط على الحروف، وحدّد معالم المرحلة القادمة، محذّرًا من منزلقاتٍ خطيرة تُحاك خلف أبواب الدبلوماسية الموصدة.

حيث قال إن المشهد اليوم ليس مجرّد نزاعٍ حدودي، بل هو صراع وجودي بين مشروع المقاومة الصامد، ومخطّط "إسرائيل الكبرى"، الذي يسعى إلى إعادة رسم هوية المنطقة.
وفي توصيفه للمقاومة وتعريفها، قال إن المقاومة اليوم إيمانٌ وثباتٌ وقوةٌ واقتدار، كسرت التفوّق التقليدي والسياسي والعسكري للعدو، وهي اليوم في ذروة ما وصفه بـالصلابة المرنة.

وقد انتقلت المقاومة، بحسب خطابه، من موقع الدفاع إلى فرض المعادلات، عبر سلاح العقول والتقنية، من خلال مواكبة العصر والتكنولوجيا الحديثة، وصناعة المسيّرات والصواريخ، وخوض غمار الحرب الإلكترونية التي عطّلت تفوّق العدو الجوي.

كما أشار إلى استراتيجية الاستنزاف، التي تقوم على تحويل الميدان إلى ثقب أسود يُنهك قدرات العدو البشرية والاقتصادية، ما يجعل أي تفكير في التوسّع الجغرافي مغامرة غير مضمونة النتائج.

"إسرائيل الكبرى"… الهدف الحقيقي خلف التصعيد:
ويجب أن تدرك الحكومة اللبنانية أن الأطماع الصهيونية لا تقف عند حدود الليطاني أو مزارع شبعا، بل إن الهدف الاستراتيجي للعدو هو إحياء مشروع "إسرائيل الكبرى" عبر تفتيت دول الجوار، وإضعاف جيوشها، وتمزيق قوى مقاومتها، وكل المؤسسات الوطنية، لتحويل الدول المحيطة إلى كيانات وظيفية تابعة وخاضعة لإملاءاته، وتحت الهيمنة المطلقة، مع كسر أي إرادة مقاومة تعيق التمدد الجغرافي والسياسي الإسرائيلي في الشرق الأوسط.

الحكومة اللبنانية بين المسؤولية التاريخية وفخ التنازل:
وتأتي الرسائل الموجّهة إلى الحكومة اللبنانية اليوم مباشرةً وقاسية، محذّرة من بيع السيادة الوطنية في سوق المقايضات الدولية، إذ قال إن السيادة رزمة واحدة لا يمكن تجزئتها أو المقايضة عليها بوعودٍ واهية ومخادعة، وإن التنازل عن أوراق القوة في الميدان هو دعوة مفتوحة للعدو لاستباحة ما تبقّى من الوطن.

إن محاولة إرضاء السفارات على حساب نبض الشارع المقاوم تُعدّ طعنة في الظهر للصمود الشعبي والميداني.
بل إن حماية ظهر المقاتلين والمدافعين عن البلاد، واحترام تضحيات الشعب اللبناني المقاوم، هي الوظيفة الأساسية للحكومة، عبر تأمين الغطاء السياسي والاجتماعي، لا الانخراط في أطروحاتٍ تهدف إلى تجريد لبنان من سلاحه، وحرمانه من عنوان كرامته ومصدر قوته.

في الختام:
إن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا ضعاف النفوس، ولا متذبذبي المواقف.
وإن مجمل الرسائل الواردة في خطاب سماحة الأمين العام الشيخ قاسم، وأبرز النقاط التي وضعها على الحروف عشية التحركات الدولية والضغوط القاسية التي تمارس على لبنان، تؤكد أن لبنان يمتلك من القوة والمقاومة ما يكفي لفرض شروطه، شريطة أن تكف الحكومة عن مواربتها السياسية.
إن مواجهة طموحات "إسرائيل الكبرى" تبدأ من التمسك بالسيادة المطلقة، والثقة باقتدار الميدان.
فالكرة اليوم في ملعب السلطة التنفيذية: إما وقفة عزّ تحفظ كرامة الوطن، أو انحدار نحو تبعيةٍ تُنهي مفهوم الدولة والسيادة إلى الأبد.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب