السياسية || محمد محسن الجوهري*


أنفقت قطر نحو 220 مليار دولار لاستضافة كأس العالم مقابل 5.5 مليار دولار من العائدات، إلا أن الحال يختلف عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة التي جعلت من المناسبة الكروية فرصة للإثراء والكسب اللامحدود؛ حيث أحكمت الرأسمالية المتوحشة قبضتها على الرياضة الأكثر شعبية في العالم، لتحوّلها من "متعة الفقراء" الأولى إلى استثمارات كبرى للأغنياء.

تتجلى أولى ملامح السيطرة التجارية في قرار "الفيفا" زيادة عدد المنتخبات إلى 48 فريقاً، مما يرفع عدد المباريات إلى 104 مباريات. ويهدف هذا التوسع إلى زيادة القاعدة الاستهلاكية؛ فكل منتخب إضافي يعني سوقاً إعلانية جديدة وحقوق بث أكثر. والنتيجة هي "تخمة كروية" تضعف من قيمة الحدث الاستثنائية، وتحول المونديال إلى ما يشبه دوريات الهواة في أدوارها الأولى؛ حيث تغيب التنافسية وتتسع الفجوة بين الفرق الكبرى والفرق المتأهلة حديثاً.

ومع زيادة عدد الفرق والمباريات والمشجعين تتضاعف الأرباح، ليتحول الجميع إلى مجرد آلات تخدم الشركات الأمريكية، لا سيما السياحية منها؛ حيث وُزعت الملاعب على مساحة القارة الأمريكية، مما سيضطر اللاعبين لقطع مسافات خرافية تتجاوز 4400 كم بين المدن المستضيفة. هنا تضرب الفيفا عرض الحائط بسلامة اللاعبين مقابل ضمان استمرار "العرض" وزيادة عدد ساعات البث، مما دفع اتحادات اللاعبين لرفع قضايا قانونية تحسباً من مضاعفة الإرهاق وتدمير الساعة البيولوجية، وزيادة احتمالية الإصابات العضلية بنسبة تصل إلى 25%.

وللفيفا أسبابها الربحية في توسعة المونديال ونطاقه الجغرافي، منها تبني نموذج "الأصول الخفيفة" (Asset-light model)، وهو تكتيك ذكي يهدف إلى التخلص من الأعباء الإنشائية المليارية؛ حيث تقع خياراتها على مدنٍ تمتلك بنية تحتية وملاعب جاهزة بالفعل، لتعفي نفسها من تكاليف البناء الباهظة التي أرهقت المنظمين السابقين. يمثل هذا التوجه استراتيجية لضمان تدفق عوائد صافية تُقدر بنحو 11 مليار دولار، ستجد طريقها مباشرة إلى خزائن "نادي الأثرياء" في الفيفا، بعيداً عن أي استثمار حقيقي في تطوير اللعبة في المناطق الفقيرة.

والأخطر هو الثمن الباهظ للتذاكر، والذي تجاوز أسعار المونديال الأخير بنحو عشرة أضعاف، بعد أن اعتمدت الفيفا نظام "التسعير الديناميكي"؛ وهو نظام يرفع السعر آلياً مع زيادة الطلب. وحيث تُعرض التذاكر للبيع في المزاد قبل نحو عام من المونديال، أخذت الأسعار ترتفع بشكل يومي، حتى بلغ سعر تذكرة المباراة النهائية نحو 60 ألف دولار، فيما لا يقل أقل سعر عن ألفي دولار لمباريات المجموعات. وبإضافة تكاليف الطيران والإقامة، أصبح المونديال "نادياً لرجال الأعمال" فقط؛ أما المشجع البسيط في الدول النامية، فقد يضطر للعمل سنوات لتغطية تكاليف "تأمين التأشيرة" وحده، مما يحول البطولة إلى حدث إقصائي بامتياز.

ويُضاف إلى ذلك تسييس المونديال من قبل الحكومة الأمريكية؛ فليس كل المشجعين مرحباً بهم على أرضها، كما هو حال الجمهور الإيراني وجماهير كثير من الفرق المتأهلة. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة ترفض دخولهم كلياً، ولكنها فرضت رسومًا مضاعفة على تأشيرات الدخول، بالإضافة إلى برنامج "سندات التأشيرة" الذي يلزم مشجعي نحو 50 دولة (منها دول متأهلة كـ تونس والجزائر والسنغال) بدفع مبالغ تأمين ضخمة قد تصل إلى 15 ألف دولار لضمان خروجهم بعد البطولة.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب