أطفال غزة.. دماءٌ تكسر قيد الحصار وتفضح زيف العالم
نبيل الجمل*
في قلب هذا العالم الذي يدعي التمدن، تقف غزة اليوم لا كبقعة جغرافية محاصرة فحسب، بل كمرآة عارية تكشف زيف الشعارات وفشل الضمير الإنساني العالمي. هي الحكاية التي لم تعد الكلمات تتسع لأوجاعها، والأرض التي شربت من دماء أطفالها ما يكفي لإحياء موات الأرض، لكنها لا تزال تئن تحت وطأة حصارٍ خانق وتجويعٍ ممنهج، يتجاوز في قسوته حدود العقل البشري. إن ما تمر به غزة ليس مجرد حرب، بل هو اختبارٌ كوني للرحمة والعدل، حيث يُقتل الطفل مرتين؛ مرة بالقنبلة، ومرة ببرودة الصمت الذي يطبق على أنفاس العالم.
لقد تحولت أزقة غزة إلى شواهد حية على مأساة القرن؛ أطفالٌ كبروا قبل الأوان، يفتشون بين الركام عن بقايا أحلامهم، ويواجهون الموت بصدورٍ عارية وأمعاء خاوية. إن سياسة التهجير القسري والتجويع التي تُمارس بحقهم ليست مجرد تكتيك عسكري، بل هي محاولة لاغتيال الأمل في مهده. ومع ذلك، ومن وسط هذا الظلام الدامس، تنبثق أصواتٌ حرة من قلب الغرب، لم تألفها الأذن من قبل، لتكسر حدة الرواية الواحدة. ففي روما، تلك العاصمة المثقلة بالتاريخ، سارت مسيرة صامتة، كأنها جنازة كونية لـ 18 ألف حلم وئد في مهده؛ ثمانية عشر ألف طفل فلسطيني، غادروا الدنيا دون أن يعرفوا منها سوى دوي الانفجارات وطعم الجوع. كانت تلك الخطوات الصامتة في شوارع إيطاليا تصرخ بأعلى صوتها: "أين هي العدالة الدولية؟ وكيف ينام العالم وأطفال غزة يُذبحون؟".
هذه اليقظة الضميرية في الغرب، والتي تجلت أيضاً في مواقف جريئة كوقفات البرلمانيين الذين لم يخشوا كسر المحرمات السياسية، كما فعل النائب البولندي الذي واجه العالم بحقيقة ما يحدث، واضعاً رمز النازية في علم الكيان الصهيوني في مواجهة مرآتها التاريخية، تعكس فجوة هائلة بين الشعوب الحرة وبين الأنظمة التي تغلّب المصالح على القيم. وفي المقابل، يبرز المشهد الأكثر إيلاماً ومرارة؛ ذلك الصمت المخزي الذي يطبق على الشعوب العربية والإسلامية. هو صمتٌ لا يمكن تبريره، يتجاوز العجز ليصل إلى حد التواطؤ بالغياب. كيف يمكن لمليار ونصف المليار إنسان أن يقفوا متفرجين على إخوةٍ لهم يُبادون جوعاً وعطشاً، وتُهدم بيوتهم فوق رؤوسهم، بينما تكتفي المؤسسات الرسمية والمنظمات الإقليمية ببيانات الاستنكار التي لم تعد تساوي الحبر الذي كُتبت به؟
إن غزة اليوم تعيد تعريف الحرية؛ فالحر ليس من يملك رغيف خبزه وأمنه فقط، بل هو من يملك القدرة على قول "لا" في وجه الظلم مهما كان الثمن. لقد كشفت غزة أن "الأحرار" قد يوجدون في أقصى الأرض، يرفعون علم فلسطين في روما ووارسو ولندن، بينما يغط "ذوو القربى" في سباتٍ عميق، وكأن الدماء التي تسيل في شوارع غزة ليست من صلبهم، والصرخات التي تطلقها الأمهات الثكالى ليست بلغتهم. إن التاريخ لن يرحم، والذاكرة الإنسانية لن تنسى أولئك الذين وقفوا في الجانب الخطأ من الصمت، كما لن تنسى البطولات الأسطورية لشعبٍ قرر أن يموت واقفاً على أن يعيش ذليلاً، محولاً آلامه إلى منارةٍ تلهم كل مظلوم على وجه هذه البسيطة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

