ألف ليلة وليلة.. أسطورة العربي التائه في غرائزه
السياسية || محمد محسن الجوهري*
من منا لم يسمع بحكايات "ألف ليلة وليلة"، أو "الليالي العربية" (Arabian Nights) كما تُعرف بالإنجليزية؟ تلك القصص التي يُعتقد أن أحداثها تتمحور حول العرب، حيث تروي الملكة شهرزاد لزوجها الملك شهريار حكايات مشوقة، وتتوقف عند ذروة الأحداث مع بزوغ الفجر، مما يضطر الملك للإبقاء على حياتها ليلة أخرى ليستكمل الحكاية. ولولا هذه النهايات المبتورة، لكان مصير شهرزاد الإعدام أسوة بزوجاته السابقات.
ومن أشهر حكايات "ألف ليلة وليلة": قصة السندباد، وعلي بابا والأربعين حرامياً، وعلاء الدين والمصباح السحري. وهذه الثلاث على وجه الخصوص هي ما شكّل ملامح الشخصية العربية في الوعي الغربي؛ إذ صار الأوروبي ينظر للعربي بوصفه نسخة من هؤلاء، وبأن العرب مجتمعات غارقة في السحر والشعوذة والتعايش مع الجان.
والحقيقة أن أصل "ألف ليلة وليلة" وتكوينه لا يمت بصلة وثيقة للعرب وحدهم؛ فحتى اسماء الملك وزوجته لا ينتميان للتراث العربي، مما يكشف خلط المستشرقين بين العرب وغيرهم من الشعوب الشرقية. كما أن بعض تلك القصص لم تخرج من خيال أبناء الشرق أصلاً، بل كانت من "بنات أفكار" المترجمين الغربيين الذين أرادوا رسم صورة نمطية معينة للشرق، وقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد.
والحقيقة أن الكاتب الأصلي (إن وُجد) لا يزال مجهولاً حتى عصرنا الحاضر، أما من قدمها للجمهور فهو المستشرق الفرنسي "أنطوان غالان" الذي ابتكر أغلب شخصياتها من خياله، فقصص علاء الدين وعلي بابا وسندباد هي من بنات أفكاره وليس لها أصل في التراث العربي، وزعم غالان أنه جمع تلك المحكيات من رجل دين مسيحي من حلب يدعى حنا دياب التقاه في باريس عام 1709.
ورغم أن شخصية القس السوري غير مؤكدة إلا أن المستشرق الفرنسي سعى من خلالها إلى صناعة شرق عربي تخيلي مبالغ فيه، خاصةً في تصوير القصص الجنسية والمجون، لتصدير صورة أيديولوجية لتنميط الإنسان العربي وتصويره ككائن مسيّر بشهواته، يعيش في حالة من الغياب الذهني عن قيم العقلانية أو المدنية.
كما صُوّر العرب كمجتمعات تعيش خارج التاريخ، حيث تُحل المشكلات بالمصابيح السحرية والجن وليس بالعمل أو العلم. وهذا كرس مفهوم "القدرية الشرقية" الذي استغله الاستعمار لاحقاً للترويج بأن هذه الشعوب "غير قابلة للتطور" وتحتاج لوصاية غربية.
إضافة إلى تجاهل الإرث العلمي والفلسفي للعرب والمسلمين واختزاله في صورة "قصور الحريم" والجواري والمؤامرات، مما شوه التاريخ السياسي للعرب وحوله إلى "فلكلور" غريب وخلق هوية حضارية تضع 'الشرق' في خانة البدائية والشهوانية، مقابل 'غرب' يمثل العقلانية والتحضر. ومن خلال هذا الاختزال المهين، تم تحويل الفرد العربي في الوعي الأوروبي من إنسان صاحب إرث فلسفي وعلمي، إلى مجرد 'شخصية فلكلورية' غارقة في اللذات، ما مهد الطريق لاحقاً لتبرير الهيمنة الثقافية والسياسية تحت ذريعة 'تهذيب' هذه المجتمعات التي لا تملك زمام عقلها.
السؤال هنا: كم من الكتب والمراجع العربية السائدة بيننا هي من صناعة الغرب حتى لو كانت معنونة بأسماء لكتاب عرب أو مستعربين، مثل دائرة المعارف الإسلامية (بالإنجليزية: Encyclopedia of Islam) وهي موسوعة أكاديمية تُعنَى بكل ما يتّصل بالحضارة الإسلامية، سواءً من الناحية الدينية أو الثقافية أو العلمية أو الأدبية أو السياسية أو الجغرافية على امتداد العصور، وتعتبر من المراجع الكبرى عند المشايخ والمثقفين من العرب رغم أنها من تأليف مجموعة من المستشرقين والمؤرخين وخبراء الدراسات الإسلامية في الغرب، ومن أهمهم لويس ماسينيون، الراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر، وكذلك الألماني جوزيف شاخت المشهور بمواقفه المشككة بركائز الفقه الإسلامي.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

