بين "الخط الأصفر" وطاولة التفاهمات: مساعي تحويل لبنان إلى نموذج أمني مُقيَّد
كيان الأسدي*
أهمّ ما يخدم الكيان الصهيوني في هذه المرحلة الدقيقة هو تحقيق إنجازٍ ملموس يُعتدّ به في مسار تحويل السلطة اللبنانية إلى نسخةٍ شبيهة بالسلطة الفلسطينية؛ بحيث تنتقل من موقع المواجهة أو التوازن إلى موقع التنسيق والاحتواء. وقد شكّلت المفاوضات المباشرة نقطة التحوّل المفصلية في هذا الاتجاه، إذ لم تكن مجرّد خطوةٍ سياسية فحسب، بل بداية مسارٍ يُراد له أن يُعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين الطرفين على أسسٍ جديدة.
إن المسار المنفصل الذي يسعى بنيامين نتنياهو إلى إنجازه في واشنطن يقوم على محاولة الوصول إلى اتفاقاتٍ أمنية تُرضي المؤسسة الأمنية الصهيونية، لا من حيث الشكل فحسب، بل من حيث الجوهر والفاعلية. ويتمثّل ذلك في السعي إلى شرعنة حرية الحركة داخل الأراضي اللبنانية، وإرساء نمطٍ من التعامل المباشر المشابه لما كان قائماً في الضفة الغربية سابقاً، إلى جانب تكريس مبدأ التعاون الأمني بوصفه أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه.
وقد عملت المؤسسة الصهيونية على محاكاة هذا النموذج داخل لبنان عبر ما يُعرف بلجنة "الميكانيزم"، حيث جرى توجيه الجيش اللبناني للقيام بعمليات تفتيش في مبانٍ يحدّدها جيش العدو. ومع مرور الوقت، بدا أن هذا النهج يحقق قدراً من النجاح في ظل وجود سلطةٍ تقبل بأن يعمل جيشها ضمن هذا السقف، ما يفتح الباب أمام تكريس واقعٍ أمني جديد يتجاوز الاعتبارات السيادية التقليدية.
وفي التصوّر الاستراتيجي لنتنياهو، كان من المفترض أن تتحوّل كل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني إلى منطقةٍ عازلة، تشكّل حزاماً أمنياً يقي الكيان من أي تهديد مباشر. غير أن معطيات الميدان فرضت واقعاً مغايراً، فتعذّر تحقيق هذا الهدف بالشكل المأمول. وعلى إثر ذلك، انتقل إلى محاولة فرض ما يُسمّى بـ"الخط الأصفر"، مع السعي للاحتفاظ بالبلدات التي توغّل فيها بوصفها منطقةً أمنية، تُوفّر عمقاً دفاعياً في مواجهة صواريخ مضادّة للدروع، وتمنح قواته قدراً من الحماية على الحدود.
ومع ذلك، فإن هذا الواقع لا يضمن طمأنة المستوطنين أو إقناعهم بأن الجبهة الشمالية أصبحت آمنة؛ فالخط الأصفر، مهما بلغ من تحصين، لا يوفّر حماية حقيقية من الصواريخ التي يمكن أن تُطلق من أي نقطة داخل الأراضي اللبنانية. ومن هنا، لا يبدو من مصلحة نتنياهو، ولا من مصلحة مؤسسته العسكرية، الاكتفاء بهذا الخط دون تحقيق إنجازٍ نوعي على مستوى الاتفاقات الأمنية مع السلطة اللبنانية، يضمن على الأقل ضبط الجانب الآخر أو تضييق هامش حركته.
لذلك، فإن العين الإسرائيلية لا تتركّز على الداخل اللبناني فحسب، بل تتجاوزه إلى ما هو أبعد، حيث تتجه الأنظار نحو اسلام اباد، باعتبار أن ما يصدر من هناك قد يكون له دورٌ في رسم ملامح المرحلة المقبلة، بل وربما في تحديد مصير البقاء أو الانسحاب. وفي هذا السياق، يبرز القلق من احتمال صدور قرارٍ من دونالد ترامب يفرض على نتنياهو الانسحاب من الأراضي اللبنانية نتيجة تفاهماتٍ دولية أوسع.
وفي المحصّلة، يبدو أن لبنان، رغم كل محاولات فصله أو عزله، سيبقى مرتبطاً بطاولة التفاهمات الأوسع، بما فيها تلك التي تُدار في باكستان. فمهما سعت السلطة اللبنانية إلى الابتعاد عن هذا المسار، تبقى الحقائق الإقليمية والدولية أقوى من محاولات الفصل. يدرك كلٌّ من الأمريكي والإسرائيلي هذه الحقيقة، غير أنهما لا يتوقفان عن إلقاء "سنارتهما" على شاطئ بيروت، على أمل أن يظفرا من خلال السلطة بما عجزا عن تحقيقه في ميادين الحرب.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

