السياسية || محمد محسن الجوهري*

اقتصاد الانتباه (Attention Economy) هو نوع من الاقتصاد يجعل من "انتباه الإنسان" سلعة ثمينة بسبب عصر الوفرة المعلوماتية على مواقع التواصل أو غيرها من التطبيقات التي تجلب الإدمان. فبما أن حجم المحتوى على الشبكة العنكبوتية لا نهائي ومتاح للجميع، تحول الانتباه البشري إلى مصدر دخل أو "عملة" تتصارع الشركات والمنصات للاستحواذ عليها.

وحتى يستغرق الإنسان أطول فترة ممكنة على الإنترنت، تم تصميم تقنيات تساعد على ذلك مثل "التمرير اللانهائي" (Infinite Scroll) و"التوصيات الخوارزمية" (Algorithmic Recommendations)، وهي أدوات هندسية تم تطويرها بعناية لتحويل المنصات الرقمية إلى بيئات إدمانية تحقق مكاسب مالية وسياسية هائلة.

التمرير اللانهائي، كالذي نراه في الفيديوهات القصيرة على يوتيوب وفيسبوك وغيرها، هو عبارة عن سلاح رأسمالي خطير، ابتكره الأمريكي "عازا راسكين Aza Raskin" كنسخة رقمية لآلة القمار الشهيرة "الروليت" التي لا تعرف التوقف وتجبر صاحبها على الإدمان على المقامرة حتى يخسر ما بحوزته من أموال.

وتعتمد التقنية، في الحالتين، على غياب "نقاط التوقف"؛ فالكتب مثلاً تعطي العقل إشارة للتوقف عند نهاية كل صفحة، وهذه الخاصية محذوفة على مواقع التواصل مما يجعل المستخدم في حالة "تنويم مغناطيسي" رقمي يستمر لساعات دون وعي، تماماً مثل "آلات القمار" (Slot Machines) في الكازينوهات. وحتى لا يشعر المستخدم بالذنب بعد إضاعته للوقت، ابتكر عازا راسكين هذه الخاصية لإغراء المستخدم ولكي يظل في حالة ترقب، فهو لا يدري متى سيجد المنشور "الممتع" القادم، وهذا يجعله يستمر في السحب للأسفل بحثاً عن "جرعة الدوبامين" التالية.

إلى جانب ذلك، تعمل الخوارزميات على دراسة سلوك المستخدم لترشيح الفيديوهات أو المنشورات المغرية، وبحسب المختصة التقنية في قناة بي بي سي البريطانية "زوي كلاينمان"، فإن منصات مثل "تيك توك" تقوم بتعديل خوارزميتها بناءً على كل 8 فيديوهات تشاهدها، لضمان تقديم محتوى يلامس اهتماماتك بدقة متناهية، إضافة إلى تقديم المشاهد الصادمة والمحتوى المثير للغضب لتحقيق مشاهدات وردود فعل أكثر من المتابعين بعيداً عن الواقع وعن الحقائق، وهذه التقنية تُعرف باسم "غرف الصدى" (Echo Chambers).

وهنا يتقاطع المال مع النفوذ السياسي، حيث تصبح هذه الأدوات "سلاحاً" استراتيجياً من أجل التلاعب بالعقول وصناعة السرديات لتشكيل الرأي العام لدى أكبر شريحة من الجماهير، وفي الغالب تخدم هذه السرديات الأجندات الصهيونية، ولذلك لا نشاهد المحتوى المقاوم كثيراً على الشبكة بخلاف ما يخدم الإفساد الأخلاقي، أو على الأقل لشغل المتابع بقضايا تافهة وإغراقه بكم هائل من المعلومات الجانبية.

وكذلك لصناعة "النجوم السياسيين" والرياضيين، كما رأينا في حالة كريستيانو رونالدو؛ حيث يُستخدم النجم كـ "قوة ناعمة" (Sportswashing) لتجميل صورة الأنظمة السياسية. وتضمن الخوارزمية أن يرى العالم صور هؤلاء النجوم وهم يروجون لمشاريع دولية، مما يغير القناعات السياسية عبر "بوابة الإعجاب". أما في الأزمات السياسية، فيمكن للخوارزميات تأجيج الشارع عبر عرض محتوى عاطفي مكثف، أو "تمييع الثوابت" عبر إغراق المستخدمين بمحتوى ترفيهي أو متناقض يشتت انتباههم عن القضايا المصيرية، كما رأينا أثناء حرب الإبادة الجماعية في غزة.

ومن خلال ذلك كله، تتحول بياناتك إلى عملية "تحويل مالي"؛ فكل ثانية تقضيها في المشاهدة أو التفاعل هي مادة خام تترجمها الخوارزميات إلى بصمة سلوكية متكاملة. وهذه البيانات تُباع لشركات الإعلانات لتحقيق مكاسب مادية، كما تتحول إلى سلاح استراتيجي يُستخدم في "هندسة القناعات" وتوجيه الرأي العام سياسياً، حيث تتيح للقوى المهيمنة القدرة على اختراق الوعي الجمعي وتمرير سردياتها بدقة جراحية بناءً على نقاط ضعف واهتمامات كل مستخدم.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب