السياسية || محمد محسن الجوهري*

تعتبر هذه الجملة من أكثر المتلازمات التي يرددها الإعلام السياسي لترويج فكرةٍ ما، ويقابلها عبارة "ثمة رأي آخر" للرد عليها، والجملتان تشيران إلى سردية واحدة، وهي أن الإعلام يصنع الأخبار أكثر مما ينقلها، كما تؤكدان أن الحياد الإعلامي أسطورة لا محل لها من الواقع؛ لأن مثل هذه العبارات تُستخدم كجمل إنشائية من وحي السياسة الراعية للوسيلة وليس من علم الواقع، وخلف كل ذلك مغازٍ أو رسائل يُراد تعميمها وكأنها حقائق لا تقبل الجدال.

على سبيل المثال، كان الحديث عن امتلاك العراق في التسعينيات لأسلحة دمار شامل مجرد فرضية يناقشها الإعلام الغربي بشكلٍ مكثف: فماذا لو امتلك صدام تلك الأسلحة؟ وما مستوى ضررها على دول الجوار؟ لكن، ومع مرور الوقت، تحولت تلك الفرضية إلى حقيقة لكثرة تكرارها في الإعلام، وعليها تم غزو العراق في 2003 بذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل وتأمين المنطقة، وتسببت تلك الفوضى بمقتل الملايين من أبناء الشعب العراقي رغم أنها في الأصل كانت مجرد فرضية.

الأمر نفسه تكرر قبل الغزو الأميركي لأفغانستان، فبعد سنوات من التعاون والدعم للفصائل الأفغانية لاستنزاف الاتحاد السوفيتي خلال حقبة الثمانينيات، بدأ الحديث في التسعينيات عن تحول الأراضي الأفغانية لحاضنة دولية للإرهابيين، خاصةً في الإعلام الرسمي العربي الموالي للغرب، ما هيَّأ الرأي العام العربي تدريجياً لشيطنة الأفغان بين العرب بعد موجة من الشعبية التي كسبوها عبر الأبواق الإعلامية ذاتها. وكان واضحاً -لدى خبراء الدعاية السياسية- أن وراء تلك الشيطنة أهدافاً سياسية تعمل واشنطن على بلورتها، وأنها بانتظار حدث بارز ليبدأ معه منعطف جديد في الهيمنة التوسعية للبيت الأبيض، ضحيتها هذه المرة العالم الإسلامي.

كل تلك الشيطنة –ضد صدام والأفغان– تمت في مرحلة الإعلام الرسمي، حيث كانت الساحة الإعلامية خالية من القنوات الإخبارية التي تعمل على مدار الساعة على طريقة القنوات الأميركية، باستثناء قناة الجزيرة التي انطلقت أواخر العام 1996، وكان لها دور في بلورة الرأي العام لصالح الأجندات الأميركية.

ومع ظهور القنوات الإخبارية المتخصصة وتحولها إلى ظاهرة عربية، هنا انتقل العرب إلى مرحلة جديدة من الجدل والضجيج السياسي وتناقض الآراء والمحللين، وكان الهدف منها تمييع الثوابت العربية وتحويل الصراع في المنطقة إلى صراع مصالح ونزاع على السلطة، كما أصبحت السردية الصهيونية جزءاً من الحديث والتحليل، وقُدمت كرأي آخر ضمن تلك الدوامة من المتناقضات المقصودة.

في العصر الرقمي الحالي، لم يعد الأمر مقتصرًا على القنوات التلفزيونية، بل انتقل إلى "الذباب الإلكتروني" والحسابات الوهمية. فقد كشفت تقارير استقصائية عن استخدام "مزارع الحسابات" لتصدير وسوم (هاشتاغات) تهدف إلى شيطنة حركات معينة أو دول بعينها في لحظات سياسية فارقة. على سبيل المثال، خلال الأزمات الإقليمية الكبرى، يتم ضخ آلاف التغريدات التي تروج لرواية "الرأي الآخر" بهدف تمييع القضايا المصيرية وتحويلها إلى مجرد "نزاعات جانبية"، وهو ما يجسد حرفياً فكرة "صناعة الخبر" بدلاً من نقله، حيث يصبح الضجيج الرقمي أداة لتزييف الوعي الجمعي وفرض ثوابت جديدة تخدم القوى المهيمنة.

تعد قضية "محور المقاومة" النموذج الأبرز في العصر الحديث لما يسميه خبراء الاتصال بـ "الحرب النفسية الممنهجة"، حيث خُصصت استثمارات مالية وإعلامية هائلة لإعادة تعريف هذا المحور في الوعي الجمعي العربي والدولي. لم تقتصر عملية الشيطنة على الجانب العسكري، بل ركزت على تحويل صفة "المقاومة" إلى "إرهاب" أو "أذرع خارجية"، بهدف عزل هذه القوى شعبياً وقطع صلتها بحاضنتها العربية. وبحسب تقارير استخباراتية وإعلامية غربية، أُنفقت مليارات الدولارات عبر منصات فضائية ممولة، ومراكز أبحاث دولية، وجيوش إلكترونية، لترسيخ سردية تربط المقاومة بالفوضى والدمار، وتصوير الانكفاء والقبول بالمشاريع الصهيونية كنوع من "الواقعية والازدهار".

وقد تجاوز الاستثمار في هذه الشيطنة حدود الإعلام التقليدي، ليصل إلى المناهج التعليمية والدراما والسينما، حيث استُخدمت إستراتيجية "الإغراق المعلوماتي" لتزييف الحقائق التاريخية وتمرير مفاهيم التطبيع كبديل طبيعي للصراع. وكان الهدف من هذا الاستثمار الضخم هو خلق حالة من "الاغتراب السياسي" لدى الإنسان العربي، بحيث يشعر بالعداء تجاه من يواجه المشروع الصهيوني، ويتقبل السردية التي تضع الجار (المقاوم) في خانة العدو، والاحتلال في خانة الشريك الاستراتيجي.

وتُعد قضية "محور المقاومة" النموذج الأبرز في العصر الحديث لما يسميه خبراء الاتصال بـ "الحرب النفسية الممنهجة"، حيث خُصصت استثمارات مالية وإعلامية هائلة لإعادة تعريف هذا المحور في الوعي الجمعي العربي والدولي. ركزت على تحويل صفة "المقاومة" إلى "إرهاب" أو "أذرع خارجية"، بهدف عزل هذه القوى شعبياً وقطع صلتها بحاضنتها العربية. وبحسب

تقارير استخباراتية وإعلامية غربية، أُنفقت مليارات الدولارات عبر منصات فضائية ممولة، ومراكز أبحاث دولية، وجيوش إلكترونية، لترسيخ سردية تربط المقاومة بالفوضى والدمار، وتصوير الانكفاء والقبول بالمشاريع الصهيونية كنوع من "الواقعية والازدهار".

ومع ذلك، ورغم المليارات التي أُنفقت، والسنوات الطويلة من الضخ الإعلامي الممنهج، أثبتت التحولات الراهنة أن "ضجيج الإعلام"، مهما بلغت حدته وتطوره التقني، يظل عاجزاً عن طمس "أصالة الثوابت" التي تسكن الوجدان الشعبي، ورأينا كيف أن الأحداث الأخيرة ضد إيران ارتدت لصالحها عندما اصطدمت بالعدوان المباشر؛ فقد خرجت الجمهورية الإسلامية منتصرة عسكرياً وشعبياً بفضل المنهج التحرري المناهض للهيمنة الصهيونية على المنطقة، ونجح أيضاً في طمس حصيلة أربعين سنة من الحرب الإعلامية بحقها.

بالمقابل، ورغم التلميع والاستثمار الهائل في الإعلام، نجح التطبيع في ضرب الأنظمة العميلة في الخليج، ورأينا الإعلام والساسة الإماراتيون يتذمرون مما وصفوه بــ"الخذلان العربي"، ونسوا أن تبنيهم للسردية الصهيوني لا يعني أنها باتت أقوى بهم، وإنما ازدادوا بها ضعفاً لأن الثوابت تبقى الثوابت ولا سبيل للانتصار أو تبني مشروعٍ سياسيٍ ناجح بمناقضتها، ولذلك فإن الإعلام، مهما بلغت سطوته، يبقى أصغر من الحقائق والسنن التي رسمها الله لعباده في الأرض وحذرهم من الميل عنها، فقوة الحق غالبة دوماً على حق القوة، وصدق الإمام علي عليه السلام عندما رسم لأنصاره طريقاً مختصراً بقوله: "من صارع الحق صرعه".

* المقال يعبر عن رأي الكاتب