الصرخة تنتصر على ثقافة التدجين
السياسية//
محمد محسن الجوهري*
حتى نعلم أهمية "الصرخة" علينا أولاً أن نعرف طبيعة الصراع ومن هم المتصارعون في هذا العالم، فمن لم يعِ أبعاد هذه المعركة سقط -لا محالة- في شباك التدجين التي نسجها الأعداء بإحكام عبر العصور. لقد كان الهدف دوماً هو عزل الأمة عن مكامن عزتها، وإشغالها بهوامش ثقافية لا تُسمن ولا تغني من جوع، لتظل مشاريعهم الإجرامية بمنأى عن أي مقاومة حقيقية.
فالصراع قائم بين الإسلام من جهة، وحزب الشيطان بقيادة أهل الكتاب من جهة أخرى، ولا حياد بين المعسكرين، إلا أن أهل الكتاب نجحوا في تحييد شريحة كبيرة من المسلمين بعد أن أبدعوا في التثقيف التدجيني الذي قدم اليهود كحلفاء وشركاء في المصير والعقيدة لدى بعض الطوائف كالوهابية وغيرهم.
ولولا التدجين ما استطاع اليهود أن يخطوا خطوة لاحتلال فلسطين أو يقيموا عليها دولتهم العنصرية، فسلاحهم الناري أتى متأخراً جداً بعد أن أمنوا أن خصومهم في حالة من الغيبوبة الفكرية. وهذا النوع من الحروب بدأ منذ أن التحق رسول الله -صلى الله عليه وآله- بالرفيق الأعلى قبل 1400 سنة، وذهب الأمر بعدها إلى غير أهله فعاد أهل الكتاب وكان لهم الكلمة الأولى في إعادة برمجة المسلمين حسب أهوائهم، بدءاً من كعب الأحبار وحتى "مستر همفر" و"جون فيلبي" وغيرهم.
وحتى تعرف العقائد التي صنعها اليهود، فهي تلك التي لا تتعارض مع مشاريعهم الإجرامية، وترى بأن الصراع الحقيقي يكون بين المسلمين أنفسهم وليس بينهم وبين أعداء الإسلام. ومن الطبيعي أن تصطدم هذه العقائد مع أي توجه إسلامي أصيل يعيد بوصلة العداء إلى مكانها الطبيعي، ومن هنا كانت ردود الفعل الكبيرة تجاه "الصرخة" منذ يومها الأول.
فعندما قدم الشهيد القائد -رضوان الله عليه- "الصرخة" كسلاح إسلامي ثقافي مناهض للثقافات الصهيونية، هب الصهاينة ضدها بمختلف مسمياتهم ورأوا فيها الخطر الأكبر على عقيدتهم الهشة وعلى وجودهم المرهون ببقاء الصهيونية العالمية؛ ولذلك لم يتحرك مسلمٌ قط ضد السيد حسين، وإنما الصهاينة وعملاؤهم، ومن كان له مصلحة في الهيمنة الصهيونية على المسلمين، كالأنظمة الخليجية وعقيدتها الوهابية التي هي خلاصة التدجين اليهودي للأمة.
وبإمعان النظر في تاريخ الصراع داخل اليمن، يتجلى لنا حجم الاستهداف الصهيوني لهذا البلد رغم بعده الجغرافي عن فلسطين. فقد سعت الصهيونية بدأبٍ لترويض المفاصل السياسية والدينية، بل ودفعت بأحزابٍ تتستر برداء الإسلام وهي في جوهرها أدوات لتنفيذ أجنداتها. إلا أن الصرخة جاءت كالاختبار الفاصل الذي كشف زيف الوجوه؛ فلا يمكن لمسلمٍ صادق أن يناهض شعاراً يجسد العزة للإسلام والعداء المطلق لقتلة الأنبياء والمجرمين.
لقد فُرضت على اليمنيين لسنوات مناهج تعليمية وثقافات "وهابية" وافدة، عملت بجد على إقصاء فريضة "الجهاد" وتغييب مبدأ "الولاء والبراءة" من الوعي الجمعي، واستبدلت عداء الصهيونية بصراعات مذهبية جانبية تخدم استراتيجية "فرق تسد".حيث حاول الفكر المدجن لسنوات تحويل المسلم من مجاهدٍ يقاوم المشروع الصهيوني إلى أداةٍ تفتك بإخوته في الدين والوطن تحت مبرراتٍ طائفية مصطنعة. ومن هنا، يبرز الخوف الصهيوني من هذا الشعار؛ لأنه يعيد بناء الشخصية الإسلامية على أساس "الولاية والبراءة"، ويجعل من الهوية الإيمانية سداً منيعاً أمام القوة الناعمة التي يبثها الغرب عبر الإعلام والتعليم والمناهج المغرضة.
إنَّ صرخة الحق اليوم هي الامتداد الطبيعي لخط المواجهة الذي رسمه القرآن الكريم، وهي الكفيلة بتمزيق حجب الغيبوبة التي راهن عليها الصهاينة، لتبعث في الأمة روحاً جديدة تؤمن بأن النصر يبدأ بكلمة الموقف، وأن القوة لا تكمن في العتاد العسكري فحسب، بل في صدق التوجه وبصيرة التحرك ومناوأة المستكبرين مهما بلغت سطوتهم.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

