السياسية || محمد محسن الجوهري*

إن المتأمل في طبيعة الصراع على أرض اليمن يدرك يقيناً أنه أبعد ما يكون عن النزاعات الطائفية أو المناطقية الضيقة؛ والدليل القاطع يتجلى في تلك الحناجر التي ترفع "الصرخة" في مختلف المحافظات والمساجد، يجمعهم موقف واحد رغم تنوع مشاربهم. وفي المقابل، نجد جبهة المناهضين للمشروع القرآني خليطاً متناقضاً لا يجمعهم سوى "تحالف الضرورة" لمعاداة الحق، ممتثلين لقوله تعالى: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، تماماً كما تتحد قوى الاستكبار خلف المشروع الصهيوني.

باختصار؛ إن موقفك من إجرام اليهود هو "الترمومتر" الحقيقي لتوجهك العقائدي، فالميدان اليوم لا يعترف بفرقة ثالثة: إما مسلمٌ يعادي أعداء الله، أو مرتهنٌ يسير في ركابهم. وعلى الرغم من تعدد وجوه الباطل وأقنعته، إلا أن "المخرج والممول" واحد. ولعل في مسارعة بعض المحسوبين على "الزيدية" إلى أحضان الرياض -الراعي الإقليمي للتطبيع- وإعلان عدائهم لأبناء جلدتهم، أكبر دليل على أن المعيار هو "الولاء والبراءة" وليس الانتماء المذهبي، في حين تظل صنعاء الحضن الجامع لكل أحرار اليمن على اختلاف توجهاتهم.

ولو كانت المناطقية هي المحرك، لما رأينا دعاة الانفصال في الجنوب يتحالفون مع خصومهم المفترضين في الشمال تحت راية الإمارات في الساحل الغربي، لهدفٍ مخزٍ واحد هو حماية الملاحة الإسرائيلية. ولو كانت المذهبية هي الحاكم، لما وجدنا أسماءً محسوبة على الزيدية (كالعوضيين وغيرهم) يتمترسون في خندق الوهابية ضد "رجال الرجال" من أنصار الله.

أما النظامان السعودي والإماراتي، فعلى الرغم من صراعاتهما البينية، إلا أنهما مجبران على العداء لليمن التزاماً بالأوامر الصهيونية، متناسين أن هلاك عروشهم يكمن في محاربة المشروع القرآني. لقد غابت عنهم العِبرة مما حلّ بنظام "صالح" الذي تشردت زبانيته لهلاكهم في ذات المنزلق، وهي سنة الله في الطغاة أن يهلكهم بالتدافع. وما نراه اليوم من شقاق بين أدوات العدوان في الجنوب ليس إلا إرهاصات للهلاك الكبير، مشابهاً لما حدث لـ "الفرس والروم" حين تفانوا في الحرب بعد عقود من الوفاق، ليفسحوا الطريق لانتصار الإسلام.

لقد ميز "الغربال الإلهي" الصفوف بوضوح لا يقبل اللبس؛ فالمعركة اليوم هي معركة بين "السيادة الإيمانية" و"التبعية الصهيو-أمريكية". فحين تصبح حماية السفن الإسرائيلية أولوية لفصائل تدعي الانتماء لليمن، بينما تُقصف المدن اليمنية بطائرات أمريكية، يتضح أن الصراع ليس على سلطة أو موارد، بل هو صراع وجود بين مشروع يرى الكرامة في استقلال القرار، وبين مشاريع "حراس المأجورين" لمصالح القوى الخارجية.

لقد أثبت الوعي الشعبي اليماني أن المشروع القرآني قد نسف العوائق المذهبية التي حاول العدو زراعتها لسنوات؛ فالتلاحم المنقطع النظير بين المحافظات ضد الغزو الأجنبي كشف زيف الدعاية التي صورت الصراع كنزاع داخلي، وأكد أن الهوية اليمانية الأصيلة لا تجتمع إلا على بوصلة واحدة هي "بوصلة القدس"، المعيار الوحيد الذي يميز الصادق من المداهن.

ختاماً، إن ارتباك الأنظمة الوظيفية أمام صمود اليمن يؤكد انتهاء زمن المناورات القديمة. فلم يعد المال ولا الدعم اللوجستي قادراً على كسر إرادة شعب اتخذ من الثقافة القرآنية منهجاً للحياة. نحن اليوم أمام لحظة تحول تاريخية كبرى، حيث تنهار إمبراطوريات الظلم لتشرق شمس فجر جديد، تُصاغ حروفه بعزة وكرامة من سواحل البحر الأحمر إلى شمّ جبال مران.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب