السياسية:



بعد العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران بات يعتبر الكثير من صُناع الرأي والقرار خصةصاً في الغرب أن ترامب ارتكب خطأً استراتيجيًا عندما خاض حرباً لم تحقق أهدافها، وأدت إلى تعزيز نفوذ طهران إقليميًا. ويشير مقال نشرته صحيفة الغارديان وترجمه موقع الخنادق الإلكتروني؛ إلى أن إيران باتت تمتلك أوراق ضغط قوية عبر مضيق هرمز وباب المندب، ما يهدد الاقتصاد العالمي ويقلق حلفاء واشنطن. كما يوضح أن الحرب عززت دور حرس الثورة الإسلامية داخليًا ودفعت إيران نحو سياسة أكثر جرأة بدل “الصبر الاستراتيجي”.

ويخلص إلى أن هذه السياسات أضعفت مكانة الولايات المتحدة دوليًا وعمّقت تراجع نفوذها لصالح قوى صاعدة مثل الصين.
النص المترجم


سيُذكر قرار دونالد ترامب بشن حرب على إيران باعتباره خطأً استراتيجيًا خطيرًا، أعاد تشكيل المنطقة بطرق غير مقصودة ومزعزعة للاستقرار. ومع تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى، بات من الواضح أن هذه الحرب أضعفت مكانة الولايات المتحدة عالميًا، وفشلت في تحقيق أهدافها الأساسية: لا تغيير للنظام في طهران، ولا دفع إيران إلى الاستسلام للمطالب الأمريكية. بل على العكس.

فمن خلال إلحاق ضرر اقتصادي تجاوز حدود المنطقة وأبطأ الاقتصاد العالمي، أظهرت إيران أن سيطرتها على مضيق هرمز تمثل أقوى أدوات الردع لديها، وربما أكثر أهمية من برنامجها النووي الذي أصبح في حكم "المتعطل". ومن المرجح أن يشكّل التحكم بالمضيق مصدر النفوذ الأهم لطهران في السنوات المقبلة.

ولا يقتصر هذا النهج على هرمز. فبالاتكاء على حلفائها الحوثيين في اليمن، أشارت إيران والحرس الثوري إلى قدرتها على تهديد مضيق باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، وهو ممر يمر عبره نحو 8% من التجارة العالمية وحصة كبيرة من شحنات الطاقة والمواد الكيميائية. وأي اضطراب مزدوج في هذين المضيقين يعني صدمة قوية للاقتصاد العالمي.
في هذا السياق، ليس مفاجئًا أن حلفاء واشنطن في الخليج باتوا في حالة قلق متزايد. ما يقلقهم أكثر هو احتمال أن تستخدم إيران ما بعد الحرب سيطرتها على هرمز كأداة ضغط دائمة، بينما تبدو الولايات المتحدة غير موثوقة كضامن أمني. لذلك بدأت دول الخليج بالبحث عن ترتيبات أمنية بديلة مع قوى إقليمية مثل باكستان ومصر وتركيا، إلى جانب تعزيز علاقاتها مع أوروبا والصين والهند.

ورغم أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" "أضعفت" إيران اقتصاديًا، إلا أن نتيجتها على المدى البعيد قد تكون عكسية: إيران أكثر جرأة وقوة واندفاعًا. ومن أبرز نتائج الحرب أن العقيدة الاستراتيجية في طهران بدأت تتغير. فبدلًا من سياسة التحفظ والردع، قد تتجه إيران إلى نهج متعدد الجبهات يستهدف البنية الاقتصادية والأمنية لخصومها.

داخل إيران، بدأت هذه المراجعة بالفعل. جيل جديد داخل الحرس الثوري يرى أن سياسة «الصبر الاستراتيجي» لم تعد مجدية. فاغتيال قادة عسكريين وعلماء نوويين إيرانيين على يد الولايات المتحدة و"إسرائيل"، إضافة إلى الهجمات المباشرة على الأراضي الإيرانية، عزز القناعة بأن الدفاع وحده لم يعد كافيًا. وبهذا، طُويت صفحة العقيدة القديمة.

هناك مؤشرات على أن الحرس الثوري عزز قبضته على السلطة، وأصبح يقود العمليات العسكرية ويؤثر في القرار السياسي والدبلوماسي مع واشنطن. كما أن اغتيال قيادات سياسية وعسكرية إيرانية سرّع هذا التحول.

ورغم أن ترامب يزعم أنه حقق «تغييرًا في النظام» في إيران، فإن الواقع مختلف: الحرب لم تُسقط النظام.
بل إن الحرب، بدل أن تُضعف السلطة، عززت تماسكها داخليًا على الأقل مؤقتًا. فعلى الرغم من "الغضب الشعبي" تجاه النظام الديني، فإن كثيرًا من الإيرانيين رأوا أن استهداف البنية التحتية المدنية هو اعتداء على البلاد نفسها، وليس على النظام فقط.
النتيجة كانت ما يحدث عادة في الحروب: التفاف حول العلم، مدعوم بالرقابة والخوف من العقاب.

هذه الحسابات الخاطئة عكست افتراضات أعمق لدى ترامب، الذي لم يأخذ في الاعتبار السيناريوهات الأسوأ، مثل إغلاق مضيق هرمز. كما أنه تأثر بتطمينات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي وعده بأن الحرب ستكون سريعة وحاسمة.

لكن هذا يعكس نمطًا أوسع من التهور الاستراتيجي. فقد اعتقد ترامب، مستندًا إلى تصور خاطئ عن سهولة إسقاط خصومه، أن إيران ستكون هدفًا سهلًا كما غيرها. كما أدى تفكيك مؤسسات الدولة الأمريكية مثل الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي إلى غياب التحذيرات الجدية.

في جوهره، تعكس هذه الحرب مشروعًا إمبراطوريًا واضحًا. فترامب تبنى خطابًا توسعيًا صريحًا من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، بل تحدث عن السيطرة على الموارد كهدف مباشر. وقال عبارته الشهيرة: «للفائز الحق في الغنائم».
على عكس الإدارات السابقة التي كانت تغلف تدخلاتها بشعارات النظام الدولي وحقوق الإنسان، تخلى ترامب عن هذا الخطاب، وأصبح أكثر صراحة بشأن دوافعه.

والنتائج بدأت تظهر: تداعيات الحرب في إيران تفوق بكثير تداعيات حرب العراق عام 2003. إذ أن الضربة الاستباقية التي نفذها ترامب خلال استمرار المفاوضات النووية كسرت قواعد الدبلوماسية وخلقت سابقة خطيرة.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد الولايات المتحدة تُنظر إليها كحامية للنظام الدولي، بل كقوة مزعزعة له، ما أدى إلى توتر حتى مع حلفائها الأوروبيين.
وقد يرى المؤرخون لاحقًا أن هذه اللحظة تمثل بداية تراجع «القرن الأمريكي» وصعود نظام عالمي أكثر اضطرابًا، تزداد فيه قوة الصين.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب ـ موقع العهد الخنادق