السياسية || محمد محسن الجوهري*

مؤخراً، رأينا الفنان الكويتي مشاري العفاسي يغني ضد إيران: "تبت يدا إيران واللي مع إيران"، وقبلها سمعنا الداعية السلفي عثمان الخميس يفتي بالجهاد تحت راية الصهيونية أو كما أطلق عليه "رباط الباتريوت"، كما رأينا إعلاميي الكويت يتهافتون على الإساءة لإيران، مثل: محمد الملا، وأحمد الجار الله، وجاسم الجريد، ومبارك البغيلي، وغيرهم ممن برزوا كثيراً خلال الأشهر الأخيرة، والقائمة طويلة وتكاد تضم الكويتيين كافة إلا من رحم ربي.

موجة التصهين هذه لم تأتِ صدفةً؛ فالدولة أسقطت جنسية الآلاف من مواطنيها بدواعٍ سياسية طالت القريب والبعيد، وحتى أعضاء في مجلس الأمة الكويتي، والسبب واضح وصريح ويأتي في إطار سياسة التصهين المفروضة على الكويت، والتي باتت شرطاً علنياً وفرض عين على كل مواطنٍ ومواطنة؛ فالسكوت والإعراض عن قضايا الأمة المركزية يعني التأييد المطلق لتحرير فلسطين، وعليه فالساكت مدان حتى تثبت صهيونيته، ولذلك رأينا الكثير من الكويتيين يبالغون في إظهار ميولهم الصهيونية خوفاً من التشرد؛ فالداخلية الكويتية لا ترحم أحداً، حتى أبناء البلد ومؤسسيه وحماته، وليس فقط مواليد البلاد من أصول غير كويتية.

الموجة التي تضاعفت بعد العدوان على إيران في فبراير الماضي، إلا أنها بدأت قبلها بسنوات قليلة، وبحسب تأكيدات الكثير من المتضررين، فإن اندلاع "طوفان الأقصى" قبل أكثر من عامين، وما رافقه من غضبٍ شعبي على الحكومة ورفضهم تحويل الكويت إلى مقرات استخبارات إسرائيلية وأميركية، كان له الأثر الأكبر في انتهاج هذا النوع من السياسات العنصرية.

ورغم أن منح الجنسية أو سحبها يُعتبر من أعمال السيادة للدولة، إلا أن القانون الدولي وضع قيوداً جوهرية تمنع الدول من التصرف بهواها، بل وتلزمها بعدم سحب الجنسية إذا كان ذلك سيؤدي إلى بقاء الشخص بلا جنسية، مثل اتفاقية عام 1961 بشأن خفض حالات انعدام الجنسية، والتي تُعتبر صكاً دولياً رئيسياً اعتمدته الأمم المتحدة لمنع نشوء حالات انعدام الجنسية والحد منها.

كما أن المادة (15) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تشدد على أن "لكل فرد حق التمتع بجنسية ما"، كما "لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها"، مع فرض حظرٍ باتٍّ على حرمان أي شخص من جنسيته بشكل تعسفي أو مصادرة حقه الأصيل في تغييرها؛ وذلك لضمان حماية الأفراد من الوقوع في فخ "انعدام الجنسية" وضمان استقرار مركزهم القانوني والسياسي أمام المجتمع الدولي.

وما يحدث في الكويت ليس معزولاً عن سياق أوسع لطمس الثوابت الإسلامية وأولها القدس وفلسطين، وهي امتداد للإجراءات الصهيونية في الخليج بشكلٍ عام، ولكن للكويت طريقتها في فرض التصهين وهو سحب الجنسية عن المواطنين، بينما في السعودية -مثلاثً- فالعقوبة قد تصل إلى الإعدام وهناك من رجال الدين من يشرعنون هذا الإجرام ويسوقون له الأعذار والمبررات بدمٍ بارد.

ورغم بشاعة هذه الجريمة الإنسانية، إلا أننا نشهد حالة من "التخادم" الممنهج بين العواصم الخليجية لوأد أي محاولة لإثارة الرأي العام العربي والدولي؛ فالقاعدة الذهبية للأنظمة الخليجية تقضي بأن "لا وفاق إلا في خدمة المشروع الصهيوني"، الذي غدا "مقدساً" يتجاوز في حمايته كل المحرمات الوطنية.

ولعل "قناة الجزيرة" تقدم اليوم المثال الأبرز على هذا النفاق الإعلامي؛ فهي تمارس الآن صمتاً مطبقاً تجاه "مقصلة الجنسيات" في الكويت، ولا تجرؤ على تصنيفها كجريمة حقوقية. ولو أن هذا التشريد الممنهج وقع في إحدى الدول المناهضة للمشروع الصهيوني، لرأينا "غرف العمليات" الإعلامية تُفتتح للتحريض والتباكي. كما سبق وسخرت كل إمكانياتها لإسقاط الدولة السورية بذريعة "الانتهاكات"، بينما تبتلع لسانها أمام انتهاكات خليجية تفوق في وحشيتها وتأثيرها الوجودي كل ما روجت له سابقاً.

في نهاية المطاف، يبدو أن السلطة في الكويت قررت المقامرة بكل أرصدتها التاريخية والقومية مقابل "صك غفران" صهيوني، ظناً منها أن سحب الجنسية سيخمد نيران الوعي الشعبي تجاه ثوابت الأمة، لكنها تتجاهل أن "الهوية" ليست ورقة تُسحب بقرار إداري لأن لها جذور عميقة ولا تقوى عليها رياح "التصهين" العابرة. ومهما تضاعف التخادم الخليجي في نفاقه، فإن الأنظمة التي استقوت بالعدو على أبنائها، انتهت دائماً كأوراق محروقة في حسابات الكبار. كما سيبقى "طوفان الأقصى" كاشفاً لكل الأقنعة التي حاولت تزوير وجه المنطقة بملامح صهيونية غريبة عن أرضها وشعبها.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب