الإسلام دين الثورة على الطغيان
السياسية || محمد محسن الجوهري*
لم يأتِ الإسلام ليحث الناس على ثقافة الخنوع للطغاة؛ فالتدجين ليس من الدين في شيء، كما أنه يتناقض أولاً مع مبادئ المروءة التي فطر الله الناس عليها. فكيف ينزل الله ديناً أو كتاباً يعيد الناس إلى عبادة العباد، بعد أن أخرجهم الله منها على يد عباده الصالحين من النبيين والأولياء؟
إن الثورة على الطغاة ومجابهة الطغيان هي نزعةٌ فطرية متجذرة في أعماق النفس البشرية التي جُبلت على الحرية والإباء للضيم. وهذه الفطرة هي الميزان الأخلاقي الذي وضعه الله سبحانه وتعالى في روع الإنسان ليميز به بين ناصع الحق وظلام الباطل؛ فمن يمتلك روحاً سوية، يجد نفسه مدفوعاً بحتميةٍ أخلاقية للوقوف تحت لواء منهج الحق، ومساندة القيادة التي تحمل مشعل الخلاص، باعتبار ذلك المسار الوحيد لتفكيك بنية الاستبداد، واقتلاع ثقافة الخنوع من جذورها، والعودة بالإنسان إلى كرامته التي استلبها الطواغيت.
ومن الإساءة للإسلام أن نرى "كهنة المعبد" يدجنون الأمة للطواغيت باسم الدين، وتحت ذريعة طاعة ولي الأمر؛ فهذه الترهات ليست من الدين في شيء، ولو كانت كذلك لما بعث الله موسى لانتشال بني إسرائيل من عبودية فرعون (وهي عبودية الفرد)، ولما بعث سيدنا محمداً ﷺ لينتشل العرب من براثن الشرك (وهي عبودية العقائد الضالة).
ونحن في عصرنا الحاضر أحوج ما نكون إلى "الإسلام الثوري"، بعد أن أصبحت البشرية بأسرها تحت عبودية الرأسمالية الصهيونية؛ تلك المنظومة الهجينة التي تمزج بين الاستعمار الاقتصادي العابر للحدود وبين إذكاء الأحقاد الطائفية لتمزيق النسيج الاجتماعي للأمم. وهذا التحالف الممنهج تسبب في كوارث وجودية طالت الأرض في بيئتها والإنسان في كرامته، مما يجعل من المقاومة الفكرية والعملية المنطلقة من قيم الإسلام ضرورةً قصوى لاستعادة التوازن الحضاري المفقود.
لقد برع طواغيت العصر في هندسة مسارات عقائدية مضللة، وتعميمها بذكاءٍ خبيث في الغرب وفي قلب عالمنا الإسلامي على حد سواء؛ حيث عمدوا إلى تبنّي نسخةٍ مشوهة ومجتزأة من الدين، غايتها الوحيدة صبغ الاستبداد بصبغة القداسة، وترفع الحاكم إلى مصافّ "الآلهة الأرضية" التي لا تُسأل عما تفعل، وتجعل من منازعته في المظالم خروجاً عن الملة والمنهج.
ومن خلال ضخّ أموال الأمة المنهوبة في شرايين هذه المنظومات الدعائية، نجحوا في اصطناع نُخبٍ وحكومات فاقدة للسيادة، غارقة في الفساد، يتحكمون في مسارها كبيادق شطرنج؛ ليوجهوها كيفما شاؤوا لخدمة مصالحهم، ويصوبوا سهامها ضد كل من يقف في وجه مشاريعهم الاستعمارية.
ولا حل في مواجهة الطغيان الأمريكي وأدواته الإقليمية إلا بالعودة إلى الإسلام الثوري الأصيل الذي انتزع البشر يوماً ما من أحضان الاستبداد وأعادهم إلى مرتبة الآدمية، وأول خطوة في ذلك الدين هي رفض النسخة الرسمية والمشوهة من الدين، والانخراط في كل أشكال الجهاد والمقاومة المناهضة للهيمنة الصهيونية على عالمنا الإسلامي، والاقتداء بالقادة الثوريين في مقارعتهم، والحياة لا تخلو أبداً من مثل هؤلاء القادة، ولنا في محور المقاومة خير قادة ممن كسروا هيبة الطغيان بمختلف مستوياته وأثبتوا أن الإسلام جاء لتحرير البشرية لا لتدجينها.
ونتذكر في اليمن كيف استطاعت قيادتنا الثورية، ممثلة بالسيد القائد (حفظه الله)، تجاوز الوكلاء المحليين للصهيونية، ثم أدواتها الإقليمية -السعودية والإمارات- وانتهاءً بالمواجهة المباشرة مع الإمبريالية الأمريكية في أعظم ثورة جهادية إسلامية أعادت الأمل للأمة بالخلاص والتحرر من نير العبودية للنظام العالمي المتغطرس.
ورغم أن الثورة بدأت من مناطق نائية في أقصى الشمال، إلا أن صمودها كسر هيبة النظام العميل آنذاك وشجع شركاءه على الإطاحة به، وها هو السيناريو يتكرر مع العملاء الإقليميين، وما الأزمات البينية داخل تحالف العدوان إلا النتاج الطبيعي لصمود الشعب اليمني في المواجهة على مدى سنوات، ومع دخول الثورة مرحلتها الثالثة بالمواجهة المباشرة مع الصهيونية الأمريكية، بات من المستحيل على الأنظمة الإقليمية أن تشن حروباً أخرى في اليمن، فهي ترى في شعبه رقماً صعباً يستحيل تجاوزه.
أما دول الخليج، فهي اليوم تقف أمام مفترق طرق تاريخي وجودي؛ فبعد عقودٍ من الارتهان للمظلة الأمريكية والوقوع في فخ التبعية المطلقة، بدأت عروشها تستشعر اهتزاز المركزية الغربية وتهاوي هيبة 'الحامي' الذي لم يعد قادراً حتى على حماية مساراته الملاحية. وبات مستقبل هذه الأنظمة مرهوناً بمدى قدرتها على استيعاب الدروس القاسية من الميدان اليمني، وإدراك أن الأموال الطائلة والترسانات العسكرية المشتراة لا يمكنها شراء الاستقرار في بيئةٍ ترفض الهيمنة.
ولن تجد هذه الدول مخرجاً من مأزقها إلا بالانفكاك عن المشروع الصهيوني، والعودة إلى حضن أمتها، والتصالح مع شعوبها؛ وإلا فإنها ستجد نفسها وقوداً لمشاريع استعمارية تستنزف مقدراتها ثم تلفظها كأوراقٍ خريفية ذابلة أمام رياح التغيير الثوري التي تعصف بالمنطقة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

