نص المحاضرة الأولى لقائد الثورة ضمن دروس شهر ذي الحجة 1447هـ
السياسية:
نص المحاضرة الأولى لقائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي ضمن دروس شهر ذي الحجة "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" .. الثلاثاء الثاني من ذي الحجة 1447هـ/ الموافق 19 مايو 2026م.
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
اللهم اهدنا وتقبَّل منَّا إنَّك أنت السميع العليم، وتب علينا إنَّك أنت التَّواب الرحيم.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات: السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
عادةً ما نخصص الدروس في هذه الأيام المباركة من شهر ذي الحجَّة، حول مواضيع تربوية، إمَّا من حِكَم أمير المؤمنين عليٍّ "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، أو كما في العام الماضي من القصص القرآني، فيما يتضمنه ذلك من دروسٍ تربويةٍ وأخلاقيةٍ، وجوانب عملية مهمة، نحتاج إلى هدى الله في كل المجالات، وفي هذه الأيام، في هذه المرحلة، ونحن في ذروة الصراع بيننا وبين أعدائنا، أعداء الإسلام، اليهود وأعوانهم، والموالين لهم من النصارى وغيرهم، نجد أنفسنا في أمسِّ الحاجة إلى تكثيف العمل التوعوي، والجهود التوعوية؛ لاستيعاب هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والمفاهيم القرآنية، التي ترفع مستوى وعينا؛ لأن في مقدِّمة ما نحتاج إليه في هذا الصراع بيننا وبين أعداء الإسلام، أعدائنا الحاقدين، نحتاج في مقدِّمة ما نحتاجه إلى الوعي العالي، والبصيرة النافذة، نحتاج أن نكون على وعيٍ وبصيرة لمعرفة العدو، وعي بالعدو، وبمعرفته على حقيقته، وبمعرفة حقيقة مؤامراته وما يسعى له، وكذلك الوعي عن أهدافه بشكلٍ عام، الوعي عن الواقع بشكلٍ عام، الوعي عن الموقف الصحيح، الذي ينبغي أن نتبنَّاه، وأن نتحرَّك على أساسه تجاه المخاطر التي تستهدفنا من ذلك العدو، الوعي بمسؤوليتنا الدينية، التي ينبغي أن نقوم بها امتثالاً لأمر الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والتي سنحظى حينما نتحرَّك على أساسها بشكلٍ صحيح بالمعونة من الله، والنصر من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
الرؤية الصحيحة، والموقف الصحيح، والاتِّجاه الصحيح، والخيار الحكيم، المجدي، النافع، المفيد، لن نحصل عليه إلَّا من خلال هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، من خلال القران الكريم، أرقى رؤية، وأرقى طريقة، وأكمل ما ينبغي أن نتحرَّك على أساسه من مفاهيم وأسس صحيحة، نحصل عليها من خلال القرآن الكريم، كتاب الله.
من أعظم ما في القرآن الكريم، وفي مقدِّمة ما يعنيه لنا القرآن الكريم: أنَّه كتاب هداية، يهدينا الله به إلى ما نحتاج فيه إلى الهداية، كما قال "جَلَّ شَأنُهُ": {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ}[المائدة:16]، فنحن في أمسِّ الحاجة إلى العودة إلى القرآن الكري الكريم، وأن نستوعب منه الأسس والمفاهيم بشكلٍ عام.
حينما نستمع إلى هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ينبغي أن نصغي جيداً، أن نتفهَّم، حتى لو كان الإنسان يعتبر نفسه فاهماً من الأساس، أو أنه قد سمع بالبعض من المفاهيم مراراً وتكراراً، ليس هناك أبداً استغناء، الإنسان بحاجة دائمة إلى المزيد والمزيد من الاستيعاب، والتفهُّم، والإصغاء؛ لأن هذا يساعد الإنسان على ترسيخ المفاهيم الصحيحة، والثوابت المهمة، وفي نفس الوقت الاستحضار لها، في الوقت الذي يحتاج إلى استحضارها في ميدان العمل، تجاه المتغيرات والمستجدات، في مواجهة ما نواجهه من هجمات الأعداء في كل المجالات.
قد يكون لدى الإنسان معرفة محدودة، أو معرفة عادية ببعض المفاهيم، سمعها سماعاً عادياً، وبشكل روتيني، ومن دون استيعابٍ كامل، وهو لا يستحضرها في الوقت الذي ينبغي استحضارها فيه، حينما يواجه- مثلاً- دعايةً معيَّنة، أو شائعةً معيَّنة، أو مستجدًا من الأحداث استجد، تغيب عن ذهنه، فيتبنَّى غيرها، يتَّجه اتِّجاهاً مغايراً لذلك، فلا يستفيد من مستوى تلك المعرفة المحدودة العادية، التي لم تترسخ فيها تلك المفاهيم بالقدر الذي يساعده على الاستحضار لها وقت الحاجة.
علاقتنا بهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ينبغي أن تكون علاقةً وثيقة، نعمل على ترسيخها باستمرار، ونعمل على الاستيعاب لما في هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" من مفاهيم، من ثوابت، من أسس، باستمرار؛ حتى تكون راسخةً في إيماننا، وفي وعينا، وفي إدراكنا، وحتى نتحرَّك على أساسها بشكلٍ صحيح، وحتى يأتي الامتداد لها في واقعنا بشكلٍ واسع، هذا من المهم جدًّا.
نحن حينما نعود إلى القرآن الكريم، نجد في (سورة الإسراء)، ما بعد الآيات المباركة التي بيَّن الله فيها عتوَّ وطغيان بني إسرائيل، الذي سيصلون إليه في مرحلة تمكُّنهم، ومرحلة تمكُّنهم تحدث عنها القرآن الكريم على أساس مرَّتين، والعنوان لذلك هو: عنوان الإفساد في الأرض، {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا}[الإسراء:4-5]، الآيات المباركة كذلك بيَّن الله فيها- كما ذكرنا- أنَّ العنوان الرئيسي لعتوِّهم وعلوهم، هو: الإفساد في الأرض والطغيان، ولكن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" توعَّدهم مع ذلك، يعني: حينما أتى ليخبر عن هذه الحقيقة، اقترن الإخبار بها بالوعيد بزوالهم، وحدث فعلاً في التاريخ، مثلما قال في الآية المباركة: {وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا}[الإسراء:5]، نكَّل الله بهم في المرَّة السابقة، وهم في ذروة طغيانهم، هذه حقيقة من حقائق التاريخ.
ثم يقول أيضاً: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}[الإسراء:7]، وهو يبيِّن أيضاً أنَّ مصيرهم في المرَّة الآخرة من المرَّتين في التمكين لهم، ذلك التمكين الذي سيستغلونه في الطغيان، والاستكبار، والظلم، والإفساد الشامل في الأرض، مصيرهم هو السقوط، هو الهلاك، وهذه حقيقة يؤكِّد عليها القرآن الكريم، وسواءً كانت هذه المرَّة أيضاً قد مضت، فهو قال بعدها: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}[الإسراء:8]، أو أنها آتية، فالنتيجة المؤكَّدة واضحة.
ولكن حتى يتحقَّق ذلك، يمكن للأمة الاختصار للوقت والكلفة، يعني: الأمَّة لا يمكنها أبداً أن تصل إلى نتيجة في التعايش والتفاهم مع أولئك المجرمين، الذين يقوم كيانهم على أساس الاستكبار، والطغيان، والإفساد في الأرض، كعناوين رئيسية في ما هم فيه من تمكُّن، لا يمكن التعايش مع ذلك؛ لأن طغيانهم، عتوَّهم، علوهم الذي علو استكبار وظلم، وإفسادهم يتَّجه إلى مَنْ؟ إلى الناس، ممارسات وسياسات، ومعاملة، وتوجُّه بكل الشر والإجرام والطغيان إلى الناس، وهذا ما حصل منذ بداية احتلالهم لفلسطين وإلى اليوم، كل ما يحصل منهم هو في إطار هذه العناوين: طغيان، ظلم، استكبار، إجرام، إفساد في الأرض بكل ما تعنيه الكلمة، فليست حالةً قابلة للتعايش، والتطبيع، والتفاهم، والحلول السلمية.
وهذا في مقدِّمة المفاهيم الرئيسية، التي نبني عليها كأمةٍ مسلمة رؤيتنا الصحيحة الواقعية تجاههم؛ لأن الخلل يبدأ من هنا، كثير من الحكَّام، والأنظمة، والحكومات، وكثيرٌ من الأكاديميين والسياسيين... وغيرهم في الأوساط النخبوية في أمَّتنا، لديها رؤية غير واقعية من الأساس، النظرة العامة إلى أنَّ أولئك حالهم حال غيرهم، يعني: مجرَّد ناس يمكن التصالح معهم، التعايش معهم، التأقلم مع الوضع معهم، وأصبحوا أمراً واقعاً؛ وبالتالي الحل هو في الحلول السلمية... هم ليسوا من ذوي السَّلام، ولا يريدون السلام إطلاقاً، هم في توجهاتهم، وما بُنِي عليه أمرهم بكله، بُنِي كله على أساس الاحتلال، الطغيان، الإجرام، الإبادة لهذه الأمَّة، السيطرة على مقدراتها وأوطانها، الطمس لهويتها، بُنِي أمرهم على الفساد، على الطغيان، على الاستكبار، على الظلم، ثقافتهم، توجهاتهم، كل أمرهم بُنِي على هذا الأساس؛ فامتلاك هذه الرؤية الصحيحة، والتي تغيب عن كثير من النخب في أوساط أمَّتنا، من السياسيين، من الذين هم في موقع المسؤولية: حكومات، زعماء... وغيرهم، امتلاك هذه الرؤية الواقعية الصحيحة، وأن تكون راسخة، والتفهيم للآخرين بها، والاستفادة من كلِّ الشواهد الكثيرة جدًّا، التي منها ومن تفاصيلها: أقوال الأعداء، سياساتهم، أعمالهم، أفعالهم، ثقافتهم، معتقداتهم، يمكن أن يحشد الإنسان حشداً هائلاً من الشواهد الدامغة، التي تشهد لهذه الحقيقة.
ما بعد هذه الآيات، أتى قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}[الإسراء:9]، تعقيب عظيم ومهم لِمَا أخبرنا الله به عن بني إسرائيل، عن عتوِّهم، عن طغيانهم، عن إفسادهم في الأرض، عما يحدث منهم تجاه غيرهم؛ لأنه- كما قلنا- يتَّجه شرُّهم، عتوهم، طغيانهم، استكبارهم، ظلمهم، تجاهنا نحن كأمَّةٍ مسلمة في هذه البقعة الجغرافية قبل غيرنا، وأكثر من غيرنا، نحن المستهدف الأول من طغيانهم، وشرِّهم، وظلمهم، وإجرامهم، وإفسادهم في الأرض، كأمَّةٍ مسلمة.
إذاً ماذا ينبغي علينا أن نعمل تجاه ذلك؟ ما هي الرؤية الصحيحة؟ ما هي الفكرة الصحيحة تجاه ذلك؟ من أين نستقيها؟ من أين نتزوَّد بهذه الرؤية؟ من أين نحصل على الرؤية الصحيحة؟ ما هو المصدر الذي نثق به، ونعتمد عليه في أن يكون لدينا رؤية صحيحة تجاه ذلك؟
وهذا شيء مهم بالنسبة لنا كمسلمين؛ لأن الحالة القائمة في أوساط الأمَّة، هي حالة اضطراب رهيب جدًّا، وتعامل بشكل غير صحيح، يعني: الكثير من أبناء أمَّتنا، من الأكاديميين، والسياسيين، والعلماء، والمتعلِّمين، ومعظم أبناء هذه الأمَّة، لم يتَّجهوا أصلاً إلى دراسة هذا الموضوع باهتمام، وجدِّيَّة، ومسؤولية، وعناية، بحجم ما يشكِّله من خطورة وأهمية؛ وإنما يكتفي الكثير منهم بمواقف ارتجالية، وبكل بساطة، يتَّخذ قراراً حاسماً:
- إمَّا بالتنصُّل التام عن المسؤولية، وترسيخ حالة اليأس والاستسلام في الأمة.
- أو بالدفع نحو خيارات خاطئة وكارثية، في التمكين لأولئك الأعداء، والتوجُّه نحو العلاقة معهم، والولاء لهم، بما يمكِّنهم من الحصول على ما يريدون.
والنتيجة كلها شر وخطر كبير على هذه الأمَّة في الدين والدنيا.
ولهذا فبدلاً من المواقف الارتجالية، والآراء المضطربة، والتحليلات الخاطئة، والأفكار الباطلة، والتصورات المغلوطة، ينبغي أن يكون المصدر الأساس الذي نعود إليه هو القرآن الكريم؛ لأنه لا أحد من الناس مهما كانت عبقريته، مهما كانت قدرته في التحليل السياسي، والفهم السياسي، ومهما كان يمتلك من خلفية ثقافية ومعرفية (تاريخية وغيرها)، ومهما كان لديه من مهارة عالية في الاستقراء للواقع، لا يمكنه على الإطلاق أن يصل إلى مستوى القرآن الكريم، إلى مستوى هدى الله، إلى مستوى ما يقدِّمه الله لنا من الهدى، أن يصل إلى مستواه.
ولهذا تأتي هذه الآية القرآنية لتقول لنا: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[الإسراء:9]، {لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، أتت الصيغة بنفسها صيغة تأكيد؛ لكي نكون على ثقة تامَّة من ذلك، ولكي نتَّجه، يعني: نحسم المسألة، بدلاً من أن نكون في حالة فوضوية، وحالة اضطراب، وحالة تلقُّف للمفاهيم، والتقديرات الخاطئة، والتصورات، والتحليلات، والمواقف الارتجالية، الحالة المضطربة الفوضوية في هذه الأمَّة، بدلاً من ذلك كله، نتَّجه أساساً إلى القرآن الكريم.
وهذا أيضاً من الأمور المهمة التي ينبغي أن نعيها، وأن يحسم الإنسان المسألة على هذا الأساس، بدلاً من أن يكون مجرَّد متلقٍ كالصحن اللاقط من هنا وهناك، للأقوال المضطربة والمغلوطة، وبينها الدس الكثير مما ينتجه الأعداء لتضليل هذه الأمَّة حتى في الموقف منهم، يعني: ليس ما يسمعه الإنسان من رؤى، وتحليلات، وتصورات، وأفكار، مجرَّد كذلك أفكار خيالية مضطربة، وتقديرات خاطئة وارتجالية فحسب، بل بينه الكثير مما سرَّبه اليهود، وأنتجوه للتأثير على الرأي العام؛ لأنهم يهتمون بهذه المسألة في غاية الأهمية، ويحرصون دائماً على أن يحتووا الموقف وردَّة الفعل من هذه الأمَّة تجاه مؤامراتهم، وطغيانهم، ومساعيهم لتحقيق أهدافهم الظلامية، الشيطانية، العدوانية، المدمِّرة، التي تستهدفنا كأمةٍ مسلمة.
فنحسم المسألة بالاتِّجاه إلى المصدر الموثوق، الموثوق بكل ما تعنيه الكلمة، في أنما يقدِّمه لنا هو حقائق لا ريب فيها، لا شك فيها؛ لأن القرآن الكريم هو كتاب الله، هدًى من الله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، يعلم الغيب والشهادة، يعلم بكل خفايا الأمور، بذات الصدور، بما يجري في واقع البشر والعباد، هو "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" من رسم سنن هذه الحياة، وهو المدبِّر لشؤون السماوات والأرض، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، هو المحيط بكل شيء علماً، هو الحكيم، أحكم الحاكمين، هو الخبير بعباده، بأحوالهم، بشؤونهم، هو أرحم الراحمين، يعني: هو الأنصح لنا، هو "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" الأرحم بنا، هو الأعلم بما فيه الخير لنا؛ ولذلك نثق كل الثقة بما يهدينا إليه، بما يعلِّمنا من الحقائق عن أعدائنا، هو قال لنا لتكون قاعدة أساسية وراسخة لدينا: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ}[النساء:45]: أعلم بهم مِنَّا، من كل أحد، من كل جهازٍ استخباراتي، من كلِّ جهةٍ سياسية، هو الأعلم بهم من كلِّ أحد، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ}[النساء:45]، فحينما يخبرنا من هم هؤلاء الأعداء، كيف هم، ماذا يريدون، ماذا يسعون لتحقيقه، ماذا يشكِّلون من خطورةٍ علينا، كيف ينبغي أن نتحرَّك لمواجهتهم، ماذا علينا أن نعمل... إلى آخر التفاصيل الكثيرة، هو يقول لنا ويعلِّمنا وهو يعلم بكل شيء، عن علم، ليس هناك مجرَّد تحليلات، قد يكون فيها الصواب والخطأ، قد يكون فيها تقديرات غير دقيقة، الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" هو المحيط بكل شيء علماً.
وحينما يدلنا على المواقف، ويرسم لنا المواقف، ويحدِّد لنا التوجهات الصحيحة، هذه هداية كما قال: {لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[الإسراء:9]، وبهذه الصيغة المؤكَّدة: (إِنَّ)، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[الإسراء:9]، وكما قال شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ" عن هذه الآية المباركة: ((وهذه من الآيات الشاملة، معناها واسعٌ جدًّا، وتتحدَّث عن سنَّة في مقاصد القرآن، هو أنَّه يهدي للتي هي أقوم في كلِّ مجالٍ من المجالات التي يتناولها بأحسن شيء، وأكمل شيء، وأفضل شيء))، يعني: حينما يقدِّم لنا القرآن الكريم رؤية في أي مجال من المجالات، هو يقدِّم أرقى رؤية، تستقيم بها حياتنا، يستقيم بها موقفنا، ليس فقط مثلاً رؤية جيدة، بل الأرقى، يقدِّم ما هو الأرقى، ما هو الأعظم، ما هو الأنجح، ما هو الذي يحقق الأهداف المهمة على أرقى مستوى.
يقول أيضاً: ((ألسنا بحاجة إلى أقوم طريقةٍ في مواجهة العدو، أقوم طريقةٍ لأن نكون عليها في الحياة، أقوم طريقةٍ في كل شؤوننا؟))، فعلاً نحتاج إلى ذلك؛ فهو يقدِّم لنا الأقوم، الأرقى، الأحسن، الأفضل، الأعظم، هذا مهم بالنسبة لنا؛ لأنه يقينا من التخبُّط الذي- أصلاً- وقع فيه العرب كثيراً، يعني: على مدى عقود من الزمن، نحن الآن بدءاً من الاحتلال البريطاني لفلسطين أكثر من مائة عام، ثم من تمكينه العدو الإسرائيلي، نحن في العقد الثامن من الصراع الساخن مع العدو الإسرائيلي.
فالمسألة مسألة هامة؛ لأن الناس يهدرون الوقت، الجهود، الإمكانات، في خيارات خاطئة، تكون نتيجتها: التمكين للعدو أكثر، وأن يهبطوا بواقعهم إلى الأسوأ، وأن تكون الأضرار كبيرة، والكلفة هائلة جدًّا في كل شيء: في دينهم، ودنياهم، وحُرِّيَّتهم، وكرامتهم، فهذا يقينا من الخيارات الخاطئة التي لها عواقب سيئة، حينما نسير في اتِّجاه الصحيح، موثوق، مضمون، في إطار هداية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وما قدَّمه لنا في القرآن الكريم، نتحرَّك بثقة، باطمئنان، هذا شيءٌ مهم.
أيضاً مع أنَّه {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[الإسراء:9]، بهذا المفهوم الشامل والواسع، أيضاً يهدي إلى الأداء الأقوم، يعني: الطريقة التي نسير عليها، كيف نسير عليها بأرقى مستوى من الأداء، وهذا له أهمية كبيرة جدًّا، مثلاً: حينما يهدينا إلى الموقف الصحيح، يهدينا إلى كيف نتحرَّك في ذلك الموقف الصحيح بأرقى مستوى في أدائنا العملي، وهذا شيء مهم جدًّا، كل ما يهدينا إليه، يهدينا أيضاً إلى طريقة تنفيذه بأرقى مستوى.
مثلاً: حينما يهدينا إلى التوحُّد والاعتصام بحبل الله جميعاً، وأن نكون أمَّةً واحدة، تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وأن نتآخى في هذا الاتِّجاه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات:10]، فهو يهدي إلى التوحُّد على أكمل طريقة، أن نكون أنصاراً لله على أحسن طريقة، وأرقى ما تكون عليه أمَّة تنصر قضية، على أحسن ما يمكن في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات:10]... وهكذا، وهذا مما يضمن لنا أن يكون أداؤنا العملي راقياً، تحرُّكنا بشكلٍ صحيح، حينما نستوعب، حينما نتفهَّم هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
قد تحصل الكثير من الأخطاء، وقد يكون مستوى الأداء هابطاً، نتيجةً لماذا؟ لضعف الوعي، لعدم الاستيعاب الكافي، لعدم الالتزام بالقدر المفترض... إلى آخره.
أيضاً حينما نسير على أساس القرآن الكريم، ليس فقط أننا سنحصل على الرؤية الصحيحة، والاتِّجاه الصحيح، والموقف الصحيح، وننسجم مع سنن الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في هذه الحياة، التي تكفل النجاح، والنصر، والاستقامة في شؤون الحياة، بل أكثر من ذلك: أَّنه صلةٌ لنا بالله الحيِّ القيوم، من أسماء الله الحسنى القيوم، فالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" يهدينا، وفي نفس الوقت هو المدبِّر لشؤون السماوات والأرض، يعني: هو ليس فقط يقدِّم الهداية ويتركنا للواقع، بل يمنُّ علينا برعايته، يشملنا برعايته، في إطار تدبيره، تأتي من الله الرعاية؛ ولهذا يأتي- مثلاً- من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" مع الهداية للموقف الوعد بالنصر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7]، هو لا يتعامل معنا كمستشار، يقدِّم لنا المشورة والرؤية، ويتركنا للواقع؛ هو ربُّنا، الرحيم بنا، مولانا، نتولاه "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فيشملنا برعايته، يهدينا في الواقع العملي، مع الهداية التي قدَّمها في كتابه، تأتي هداية الإلهام، التوفيق، التسديد في مسار العمل، وفق هدايته بكتابه الكريم، وتأتي أيضاً في التفاصيل العملية، التي نحتاج فيها إلى ذلك في كثيرٍ من الأمور، التي تمتد إلى تفاصيل كثيرة، في إطار الموقف، والعمل، والمواجهة، والإنتاج، والتحرُّك في مختلف المجالات... إلى آخره.
ثم أيضاً يرعانا بأشكال الرعاية: المعونة، التيسير، التسديد، النصر، التأييد، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7]، الإمداد حتى بالسكينة على المستوى النفسي، {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}[الفتح:4]، الرعاية الواسعة، ومع ذلك يكتب لنا الأجر العظيم؛ ولهذا أتى في نفس الآية: {وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}[الإسراء:9]، يعني: يهدي للتي هي أقوم، وهذا شيء نحتاج إليه جدًّا، نحن في أمسِّ الحاجة، والهداية للتي هي أقوم منَّة عظيمة من الله علينا، ومع ذلك حينما نتحرَّك في ما هو أقوم، أرقى، أحسن، أفضل، أكمل شيء نسير عليه في مواقفنا، في شؤون حياتنا؛ تستقيم به حياتنا، نستفيد منه بشكل كامل، ينسجم- كما قلنا- مع السنن الالهية التي رسمها الله في هذه الحياة، وتستقيم بها هذه الحياة؛ مع ذلك يكتب لنا الأجر العظيم في الدنيا والآخرة:
- الأجر فيما يكافئنا به في الدنيا.
- وفي الآخرة الفوز برضوانه، الفوز بالجنة، الفوز بالنعيم الأبدي، بأرقى نعيم.
وهذا شيء عظيم جدًّا، يعني: هذه من المحفِّزات الكبيرة جدًّا، والمميزات الكبرى لأن يتَّجه الانسان في هذه الحياة بجهده، بطاقته، بإمكاناته، باستثمار كلِّ وقته وحياته، في الاتِّجاه الذي يحظى فيه بكل هذا الخير، يعني: أي رؤية أخرى، أي توجُّهات أخرى، ليس لها هذه النتائج، وهذه المحفِّزات، وهذه المكاسب الكبرى، والعظيمة، والمهمة:
- في هذه الدنيا تحظى بالعزَّة، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}[المنافقون:
- وفي نفس الوقت تضمن مستقبلك الأبدي في أرقى نعيم في الجنة، تحظى بالأجر الكبير.
وحينما يقول الله هو: {أَجْرًا كَبِيرًا}[الإسراء:9]، فمعناه: أنَّه أجر كبير جدًّا، في كل موقف، في كل تحرُّك، في كل ما يتعلَّق بذلك الموقف، من جهود، أو متاعب، أو صعوبات، أو معاناة، كلها تكتب لك، كما في الآيات المباركة من (سورة التوبة)، النصب، المخمصة، حتى حركتك، حتى وأنت تمشي، {وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ}[التوبة:121]، كل شيء محسوب، مكتوب، تؤجر عليه، تثاب عليه، تحظى في مقابله من الله بالأجر.
إذاً هذا إغراء كبير جدًّا للعمل بالقرآن، والاهتداء به، وأن يكون خيار الإنسان في هذه الحياة هو هذا الخيار، وهذا الاتِّجاه، إغراءات عظيمة للاهتداء بالقرآن والعمل به، لا مثيل لها في كل الرؤى الأخرى المباينة للقرآن، البعيدة عن القرآن، والتي هي مرتبطة بالشيطان، ونهايتها جهنم، نتيجتها الخسران الأبدي والعياذ بالله.
ولذلك يعتبر التنكُّر لهذه النعمة: نعمة الهداية، التي هي أرقى هداية، أحسن وأفضل طريقة يمكن أن يسير عليها الإنسان في هذه الحياة، وتستقيم بها هذه الحياة التنكُّر لها، والمباينة لها، والابتعاد عنها، ليس له أي مبرر، لماذا لا تقبل أن يقدِّم الله، وقد قدَّم الله لك الأهدى للتي هي أقوم في كل شؤون حياتك، فلا تقبل بذلك، ماذا تريد؟ تتَّجه إلى الآخرين، إلى رؤاهم الناقصة، القاصرة، المغلوطة، التي فيها الكثير من الأخطاء والأباطيل، والتي لا يصحبها أي شيء مما يقدِّمه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، فتقبل بها، أو أنت بنفسك تعتمد على نظرتك القاصرة، فهمك المغلوط، تقديراتك الخاطئة، بديلاً عن الاهتداء بما هو أقوم.
ولهذا ما الذي يقابل التنكُّر لهذه النعمة الكبرى، حينما لا تقبل بأهدى وأقوم طريقة تسير عليها في هذه الحياة، وتتنكُّر لها؟ يقابل ذلك أشد عقوبة، أشد عقوبة، وهي جهنم والعياذ بالله، البديل عن ذلك؛ لأن الرؤى الأخرى، والاتِّجاهات الأخرى، هي كارثية في هذه الحياة، ينتج عنها: تمكين الظلم، التمكين للطغاة، التمكين للجور، التمكين للطغيان، التمكين للفساد؛ فالنتيجة كارثية، والعقوبة عليها هي جهنم والعياذ بالله.
يقول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أيضاً: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[الأعراف:52]، وهذا أيضاً احتجاج من الله على عباده، حتى في يوم القيامة، حينما يستوعب من ابتعدوا عن هدى الله، واتجهوا الاتِّجاهات المخالفة لهدى الله، ولاسيَّما أنَّ الكثير من الأمور التي يجعلها الناس في نظرهم وتقديراتهم الخاطئة أموراً عادية، ويصنِّفونها بتصنيفات بسيطة؛ فيتعاطون معها ويتعاملون معها بشكلٍ خاطئ، وبكل استبساط لذلك، يعني: يعتبرون المسألة عادية جدًّا، يتعاملون معها وفق مزاجهم بكل بساطة، وهي أمور كبيرة، لها تأثيراتها الكبرى السلبية للغاية على حياتهم، على دينهم، على واقعهم، على علاقتهم بالله، على مستقبلهم في الآخرة، لكنهم هم كان خطؤهم الأول: الابتعاد عن القرآن حتى في تصنيف مستوى أهمية القضية، وكيف ينبغي التعامل معها.
مثلما هو حاصل الآن، الكثير من الناس- يعني- مع أنَّ الصراع مع اليهود من أخطر الأمور والقضايا التي لها تأثيرها الكبير جدًّا على واقع الأمَّة في دينها ودنياها، لا يزال الكثير من أبناء هذه الأمَّة يتعامل معه وكأنه من أبسط القضايا، التي يكفي فيها التعامل وفق المزاج الشخصي، وفق أي فكرة يسمعها الإنسان من أي شخص، أو من أي تلفاز، من أي قناة، أو من أي إذاعة، أو يسمعوا بها في أي مكان، في مقيل، أو سوق... أو غير ذلك، هذه كارثة.
هذه الحالة لدى الإنسان التي يتعامل معها بدون مسؤولية، وبدون هدى، وبدون بصيرة مع قضايا كبرى، فيستبسط المسألة غاية الاستبساط، يؤدِّي به إلى الخسران، يوم القيامة يرى الناس أنفسهم، الكثير منهم يرى نفسه خاسراً؛ فيندم، والله قد أقام الحجَّة على عباده، هذا كتابه موجود بين هذه الأمَّة، لماذا لا تعود هذه الأمَّة إليه؟ الله يحتج بأنه أقام الحجَّة على عباده، {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ}[الأعراف:52]، هذا القرآن أتانا، موجود في واقعنا، لا يستطيع أحد يوم القيامة أن يقول: [لم يكن هناك قرآن، لم يكن هناك كتاب لله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" فيه الهداية إلى ما ينبغي أن نعمل، ما هي المواقف التي نتحرَّك فيها...إلخ.].
{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ}[الأعراف:52]، يعني: يتناول كل قضية بالتفصيل؛ لأنه يقدِّم الهداية الكاملة، وليس الهداية الناقصة والقاصرة، حتى يتعلل الإنسان بأنها لم تكتمل لديه الرؤية الصحيحة، ولم يعرف ما هو المقصود، وكان التقديم القرآني قاصراً، ناقصاً، في أن يوضِّح لنا أهمية المسألة، ومستوى الموقف الصحيح... وغير ذلك من التفاصيل، سواءً في ما يتعلَّق بالصراع مع الأعداء، أو في بقية مجالات الحياة، الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" قدَّم لنا الهداية الكاملة الكافية، وله الحجَّة البالغة التامة على عباده، في كتابه.
{فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ}[الأعراف:52]، فهو يتناول كل قضية بالتفصيل، وعلى علم، يعني: ليست مجرَّد تقديرات خاطئة، تحليلات، مثل ما هو الحال بالنسبة للإنسان الصحفي والإعلامي، قد يخطئ، قد يصيب، قد يبالغ، قد يقصِّر؛ أمَّا الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" فهو يقدِّم ما يقدِّمه لنا على علم، علم بنا، علم بالإنسان، علم بالحياة، علم بما سيصل إليه الإنسان في المستقبل، وأنه إذا لم يسر على هدى الله؛ فسيكون مصيره سيئاً، علم بكل ما يتناوله في مختلف المواضيع والمجالات، مفصلٌ على علمٍ ممن يحيط بكل شيءٍ علماً، ممن يعلم الغيب والشهادة، ممن يعلم السِّر في السماوات والأرض، ممن قال عن أعدائنا: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا}[النساء:45].
ثم حينما نعود إلى القرآن الكريم، ونحسم خيارنا ألَّا نترك أنفسنا تضيع، ومستقبلنا وواقعنا يضيع في إطار حالة الاضطراب القائمة في واقع الأمَّة، المسيطرة على واقع الأمَّة، الاضطراب، والفوضى، والرؤى المتباينة، والأفكار الناقصة، والتقديرات الخاطئة، والاستنتاجات والتصورات المغلوطة، ونترك كل ذلك، نترك للفلاسفة، والمفكرين، والعباقرة، والسياسيين، والأكاديميين، كل ما لديهم من هذه الاضطرابات، ونتَّجه نيمِّم وجهتنا نحو القرآن، نحو الله، نحو هدى الله، نحو نور الله، النور الذي يخرجنا من الظلمات؛ لنتفهَّم، لنصغي، لنتأمل، ولنحسم الخيارات، لنسير ونحن على ثقة بقيمة هدى الله، بعظمة هدى الله، بأهمية هدى الله؛ سيكون لذلك أثره في أنفسنا، في أعمالنا، في مواقفنا، في مسيرة حياتنا.
ثمرة الاهتداء بالقرآن الكريم هي ثمرة عظيمة، ستغير واقعنا بكل تأكيد، وتنقلنا نقلةً عظيمة من الحالة: حالة الضعة، حالة الهوان، حالة الضياع، حالة الشتات، حالة الانحطاط النفسي، الذي يقبل بهيمنة وسيطرة اليهود، والعبودية لهم، ينقلنا عن ذلك إلى مستوى عظيم.
ثمرة الاهتداء بالقرآن الكريم، ثمرة الاهتداء بهدى الله، نعمة الهداية، هي تتجلَّى في نفسيات الناس، يعني: حتى على المستوى النفسي، ينقلك القرآن الكريم لتكون ضمن أولئك المؤمنين في تلك المواصفات الراقية، تكون من أولئك القوم الذين قال عنهم: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ}[المائدة:54]، تكون من ضمن الأمَّة التي تتحرَّك في هذه الحياة تدعو إلى الخير، ليست تتنصَّل عن المسؤوليات، وتهرب مما فيه الشرف، والفضل، والخير في الدنيا والآخرة، بل تتَّجه تدعو إلى الخير، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، تتَّجه وفق المواصفات الإيمانية الراقية لعباد الله المؤمنين في (سورة التوبة) وغيرها.
نعمة الهداية تتجلَّى في نفسيات الناس، تزكِّي النفوس، تهيِّئها وتؤهِّلها لتؤدِّي دوراً عظيماً في هذه الحياة، وهي متخلِّصة من كلِّ الشوائب السيئة، التي تهبط بنفسية الإنسان، شوائب الأنانية، شوائب، كل الجوانب التي تمثل خللاً في الحالة النفسية لدى الإنسان؛ لأن القرآن يزكي النفوس، حتى تتحوَّل إلى نفوس زاكية، صافية، نقية، طاهرة، تتَّجه بزكائها، وبقيمها، وأخلاقها، نحو الأعمال العظيمة، والمسؤوليات المقدَّسة، والمسارات الصحيحة، والمواقف الكبيرة بكل عشق، بكل رغبة، بكل محبة، ويكون لذلك أهميته ونتيجته.
تتجلَّى نعمة الهداية في نفسيات الناس، تصيغ نفسك صياغة إيمانية قرآنية راقية، زاكية، وهذا من أهم ما نحتاج إليه في التغيير، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[الرعد:11].
وكذلك في سلوكهم: التصرفات، الأعمال، المواقف، التعامل مع الناس، التعامل فيما بينهم، تحكمه تلك التعاليم القرآنية، يتخلَّص الإنسان من الحالة المزاجية، أو من الحالة التي تتأثر بما فقده من التربية القرآنية والإيمانية، الصياغة الأخرى، الصياغة الشيطانية، التي تجعل نفسية الإنسان نفسيةً سيئة، ملوثة، ملوثة بما يؤثِّر عليها من تأثيرات سيئة؛ فتبعدها عن التفاعل مع هدى الله، التَّقبل لهدى الله، الانطباع بالقيم الراقية، والأخلاق الكريمة.
السلوك، الرؤى، بدلاً من أن يكون لدى الإنسان رؤى مغلوطة من هنا أو من هناك، استنتجها هو بنظرة قاصرة، أو تلقَّفها من الآخرين، يحمل الهدى، يحمل النور، يحمل الحقائق التي قدَّمها الله في القرآن الكريم، ويحمل أرقى رؤية، الأشياء الصحيحة.
وكذلك في المواقف، يتَّجهون في المواقف الصحيحة، المواقف الحكيمة، التي دلَّ عليها أحكم الحاكمين، ربنا "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في تصرفاتهم تكون حكيمة، وفي بيئتهم الاجتماعية بشكلٍ عام، كمجتمعٍ حكيمٍ وقوي، يتحرَّكون حينما يتحرَّكون كأمَّة، يتميزون بهذا: أن يكونوا مجتمعاً قوياً، وحكيماً، تتجلَّى هذه الحكمة في مواقفهم، في تحرُّكاتهم الصحيحة، ونموذج يتجلَّى في كل مواقفه وتصرفاته هدى الله، هذا معيار مهم، معيار حتى للانتماء؛ لأن الإنسان- مثلاً- قد ينتمي، قد ينتمي إلى النهج القرآني، إلى المسيرة القرآنية، ولكن المعيار الذي يجلِّي واقعه، هو بالثمرة، هل تتحقَّق هذه الثمرة في واقعه؟ هل هذه النتيجة ملموسة في نفسيته، في تصرفاته، في أعماله، أم هي غائبة عن ذلك؟
هذه النصوص مستفادة من شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ"، في دروسه القيِّمة، دروس من هدي القرآن الكريم: ((من يسيرون على القرآن يجب أن يقدِّموا أنفسهم نموذجاً لأمة منضبطة تماماً))، يعني: أول ما يستفيدون منه هو الانضباط، الالتزام وفق هدى الله، الخروج عن حالة المزاجية، عن الحالات الخاطئة، عن الاضطراب في الرؤى من هنا وهناك؛ لأنهم يرتبطون هذا الارتباط بالقرآن الكريم، الرؤية قرآنية، التصرفات مضبوطة بضوابط القرآن، المواقف مضبوطة بضوابط القرآن، التوجُّهات كذلك، وهذا يخرجهم من حالة الفوضى والاضطراب؛ ولهذا- مثلاً- حينما يستجد أي شيء، لا تأتي المسألة أن يتحوَّل الحال بينهم إلى اختلافات، واضطرابات، وتقديرات، وكلٌّ يقدِّم تحليلاً خاطئاً، وهذا ينتج من رأسه فكرة، وهذا... تجاه موقف قد حسمه القرآن، بل يعودون رأساً إلى الرؤية القرآنية، إلى هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وهذا ما ينبغي أن نعيه حتى كمنتمين إلى هذه المسيرة القرآنية المباركة.
البعض قد لا ينتبه لهذه الأمور، كما قلنا: لا تترسخ عنده الثوابت والمفاهيم الأساسية، فيعيش بعيداً عنها، ينتمي إلى المسيرة القرآنية، إلى النهج القرآني، ولكنه تجاه كثيرٍ من الأمور يسابق ويبادر إلى أن يتعاطى من خلال حالته الذهنية والنفسية، تقديراته الخاطئة، لا يعود ابتداءً إلى هدى الله، إلى الرؤية القرآنية، قد تحصل حالة من الاضطراب في التفكير، في الرؤى، في التوجُّهات، في التقييم للأمور، في النظرة إليها، في الموقف من الأولويات... وغير ذلك.
هذه حالة الاضطراب، هي حالة بعيدة عن ثمرة الاهتداء بهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"؛ لأن من ثمرة ذلك: أنَّ الأمَّة التي تتحرَّك على هذا الأساس تكون أمة منضبطة تماماً، ((أمة عندها رؤية واضحة))، فتتحرك وفق رؤية واضحة، وتتحرك وفق أولويات رسمها الله في القرآن الكريم، وأولويات حكيمة، ووفق أسس صحيحة، ((ليست تحركاتها عشوائية، ولا كل واحدٍ يسير على هواه، ولا كل واحد شوره من قرنه كما في التعبير المحلي))، وهذا يجعل من هذه الأمَّة أمَّة متميزة، حتى عن الحالة التي يعاني منها العرب، يعاني منها المسلمون بشكلٍ عام، كما قلنا: حالة اضطراب رهيبة جدًّا، حالة تباينات فظيعة في الآراء، والمواقف، والتوجُّهات، وحالة مأساوية وكارثية تجاه هذا الأمر، يجعل هذه الأمَّة التي تسير على أساس هدى الله، على الصلة بالقرآن الكريم، أمة منضبطة، ليست مشتَّتة لا على مستوى الآراء والمواقف، والتقييمات والتقديرات، لا في المجال السياسي، ولا في المجال الإعلامي، ولا في الموقف بشكلٍ عام، أمَّة منضبطة، وعندها رؤية واضحة، الكل يستوعب هذه الرؤية، ويلتزم بهذه الرؤية، ويقدِّم هذه الرؤية، إذا أراد أن ينشط ليخدم هذه الرؤية، فسيتحرك على هذا الأساس، وليس ليقدم أطروحات أخرى متباينة، مضطربة، فوضوية، بنظرة قاصرة، بتفكير خاطئ، أو بتأثرات من هنا وهناك، ممن يتلقَّف ما يسمعه هنا أو هناك، هذه مسألة مهمة.
لذلك دروسنا في هذه الأيام سنركز فيها- إن شاء الله- على ترسيخ الأسس والمفاهيم والثوابت القرآنية في الوعي عن العدو، كيف تكون نظرتنا إلى اليهود؟ اليهود هم العدو الأساس لهذه الأمَّة، العدو الأشد عداوة، العدو رقم واحد لنا كمسلمين، البقية هم في إطارهم، الموالون لهم من النصارى، الموالون لهم من المنافقين، المنتسبين للإسلام والمسلمين، والبقية ممن يسيروا في خطهم، ويدوروا في فلكهم، كيف نحمل الوعي الصحيح؟ كيف ننظر إلى العدو؟ كيف نتحرَّك على أساس صحيح تجاه العدو؟
نتحدَّث- إن شاء الله- على ضوء آياتٍ قرآنية، بالاستفادة مما قدمه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ"، في دروسه القيِّمة والعظيمة والمفيدة من هدي القرآن الكريم، نركز- مثلاً- على آية، آية من القرآن الكريم، ونقدِّم على ضوء ما نستفيده- كما قلنا- مما قدَّمه شهيد القرآن، مفاهيم وثوابت ذات أهمية كبيرة جدًّا، ينبغي أن نستوعبها بالشكل المطلوب، وأن تكون أساساً لموقفنا، لتوجهاتنا؛ لأنها من هدى الله، لها هذه القيمة، لها هذه الأهمية: أنَّها من هدى الله، من القرآن الكريم، على ضوء آيات الله "تَبَارَكَ وَتَعَالَى"، ليست رؤيةً شخصية، ليست اجتهاداً شخصياً، ليست تفكيراً مزاجياً من هنا أو هناك، ولا استنتاجاً بعيداً عن القرآن الكريم، من هدى الله، من القرآن الكريم.
تكون المسألة فيما يتعلَّق بالاستفادة من هذه الدروس هي:
- الحفظ للنص القرآني، للآية نفسها، أن نحفظ الآية القرآنية، يحفظها الإنسان، يتقن قراءتها.
- تترسَّخ عنده العناوين الأساسية لتلك المفاهيم والثوابت، ويستوعبها جيداً.
- ثم أيضاً قد نلتفت إلى شواهد معيَّنة، وتفاصيل معيَّنة تتعلَّق بالمرحلة التي نحن فيها؛ لأنه يمكن الاستفادة بشكل مباشر.
وهذا شيء قائم، يعني: هناك مسارات لقراءة دروس من هدي القرآن الكريم، وبرامج تقدَّم لها، والاستفادة منها متاحة بشكلٍ مباشر، وهذا شيء مطلوب أساساً: أن يكون هناك اهتمام بتلك الدروس القيِّمة المفيدة، التي هي منهج لمسيرتنا القرآنية، ومع ذلك هذا مسار أيضاً من مسارات الاستفادة منها، نقدِّم منها كذلك ما نقتطفه من أسس ومفاهيم وثوابت على ضوء آيات قرآنية معيَّنة، ونركِّز أيضاً على متطلبات لهذه المرحلة، متطلبات ملحَّة، ونخلص إلى ملخَّصات مهمة في هذا الاتِّجاه، لكن ينبغي الاستيعاب، والتفهُّم، والإصغاء؛ للاستفادة اللازمة.
الإنسان- كما قلنا في بداية الحديث- قد يتصوَّر نفسه واعياً، وفاهماً، ولكن يمكن للإنسان أن يقيس مستوى استفادته، ومستوى وعيه- كما قلنا- بثمرة الاهتداء في نفسيته، في تصرفاته، في مواقفه، في أعماله، في توجهاته، ووفق ما ذكرناه من نصوص مهمة ومفيدة عن ثمرة الاهتداء بهدى الله، كيف نكون كأمَّة، والإنسان بحاجة دائمة إلى ترسيخ هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بما فيه من مفاهيم وثوابت في وعيه، في فكره، في نفسه؛ حتى تكون راسخةً بالشكل المطلوب، هذه مسألة مهمة جدًّا.
الإنسان إذا لم يهتدِ بالقرآن، ويستوعب رؤية القرآن؛ تتكوَّن لديه تصورات خاطئة، أو يتقبَّل من الآخرين رؤى خاطئة، يكون فاضي، جاهز للتأثُّر بما يسمع من هنا أو هناك، والموضوع في مجال الصراع مع اليهود ليس عادياً، بل تكون نتائج المفاهيم الخاطئة، والمواقف الخاطئة كارثية على الناس في الدنيا والآخرة؛ ولهذا نحن بحاجة إلى القرآن الكريم.
ميزة القرآن الكريم، ميزة هدى الله: أنَّه عظيمٌ في عمقه، وسعته، وشموله، إلى حدٍ عجيب يندهش الإنسان، بل فوق مستوى ما نتخيَّل، يعني هو: ((بَحْرٌ لَا يُدْرَكُ قَعْرُه)) كما قال أمير المؤمنين عليٌّ "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، ((بَحْرٌ لَا يُدْرَكُ قَعْرُه))، بحر عميق في مستوى شموله، عمقه، سعته.
ولهذا مهما كانت عبقرية الإنسان، مهما كان مستوى قدرته الذهنية في الاستيعاب، والحفظ، والفهم، والقدرة على التفكير، والقدرة على الاستيعاب، فهو لن يحيط علماً بما في القرآن الكريم، يبقى القرآن أعظم، أرقى، أكبر من مستوى فهمه، لكن الإنسان يستفيد ما يحتاج إليه، وما ينتفع به، وما فيه النجاة له، فيه الخير له.
لكن لا يتصور الإنسان أنَّ قدرته الذهنية، وإدراكه فوق مستوى القرآن؛ وبالتالي سيستنزف كل ما في القرآن، ويستنفد كل ما فيه، ويكمِّل، وأصبح هناك قد كمَّل ما في القرآن من هدى، وأحاط به بكل تفاصيله، بكل ما فيه من النور.
القرآن كتاب عظيم جدًّا، يستوعب هذه الحياة وأكبر منها؛ ولكن تستفيد من القرآن بقدر دَلْوِكَ الذي تستفيد منه، كما لو ذهبت إلى بحر لتأخذ بدَلْوْكَ شيئاً من الماء، بما يملأ دَلْوَك، بمستوى ما تستفيده في قدراتك الذهنية، وما يمنحك الله، الإنسان بحاجة إلى هدى إلى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في الاهتداء بهدى الله.
وفي نفس الوقت القرآن الكريم يقدِّم ثوابت عامة، معروفة وواضحة يسهل فهمها حتى للعامة من الناس، يعني: القرآن الكريم يقدِّم للإنسان مهما كانت قدرته الفكرية والذهنية، ومستواه الثقافي والمعرفي، يقدِّم له ما يشبع نفسيته، يقدِّم له الهداية الواسعة، بعمق عظيم، وفي نفس الوقت يقدِّم معارف وثوابت واضحة، يمكن حتى لأي عاميٍّ من الناس أن يفهمها، إذا أصغى لها، يعني: يتطلب الأمر إصغاء، استماع، {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[الأعراف:204]، أن يصغي الإنسان، أن يركِّز؛ وسيستفيد، يعني: يستفيد ثوابت، هذه الثوابت تبنى عليها الكثير من التفاصيل، وتنقل حتى العامي البسيط من الناس، والأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، إلى أن يكون على درجة عالية من الوعي؛ لأنه يفهم تلك الثوابت التي يقدِّمها له الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في كتابه الكريم بشكلٍ مبسَّط، يسهل عليه فهمها والاستيعاب لها؛ وبالتالي يستنير بها، يصبح على نور، على بصيرة، على وعي، فهذه من المميزات العظيمة للقرآن الكريم، ولهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
من مميزات هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وما يهدي إليه: أنَّه يقدِّم لنا رؤيةً بنَّاءة، يعني: تبني واقعنا، ليست استنزافية، وليست بالشكل الذي يستنفد ما لدينا، يعني: مثلاً تستنفد مداركك، معارفك، إمكاناتك، طاقاتك... غير ذلك، وتحوِّلك إلى صفر في هذه الحياة، لا، هي بالشكل الذي يبنيك:
- يبنيك في معارفك، في فهمك، في ثقافتك.
- يبنيك في واقع حياتك.
- يبنينا كأمَّة في واقعنا بشكلٍ عام.
وهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" من مميزاته العظيمة: أنه مبارك، {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}[الأنعام:155]، في أربع آيات في القرآن يصفه بالبركة، هذه البركة لا تبقى هناك في المصحف، ولا نستفيد منها، هي بركة لنا نحن يعني، بركة القرآن الكريم التي أكَّد الله عليها في أربع آيات في القرآن الكريم، هي بركة تأتي إلينا:
- بركة في العلم، في الفهم، في المعرفة.
- بركة في الحياة.
- بركة في الجهود ونتائجها.
- بركة في الواقع.
بركة شاملة، بركة عظيمة، وليس لدى أي رؤى أخرى من رؤى الناس وأفكارهم بركة، فيمكن أن نقول: [أنَّها مباركة، ويأتي منها البركات]؛ لأن البركات مصدرها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، يبارك الجهود فتكون نتائجها عظيمة، ثمرتها كبيرة.
لهذا من المهم أن نحرص على الاستيعاب للمفاهيم والثوابت، والاستحضار لها في مقام العمل، هذا سيفيدنا في مسألة الإجراءات العملية، الإرشادات العملية، التفاصيل العملية؛ لأن الإنسان إذا لم يستوعب هذه الثوابت، وهذه المفاهيم القرآنية؛ لا يتقبَّل، ولا يستوعب الكثير من الإرشادات العملية التفصيلية، التي هي من متطلبات الموقف، من متطلبات المرحلة، من متطلبات المسؤولية، مما نحتاجه في إطار الصراع ما بيننا وبين الأعداء.
نأمل- إن شاء الله- الاستفادة من هذه الدروس، هذه مقدِّمة لها، ونبدأ فيها من الغد إن شاء الله، على أمل أن نستفيد منها جميعاً بتوفيق الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".
أَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛.
سبأ

