ٍوهم الحضارة كيف التهم النظام العالمي إنسانيتنا؟
السياسية:
أسامة أبو عُمر*
إن النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية أكاد أجزم أنه الأقذر على مستوى التاريخ وكيف لا يكون كذلك وقد شُيد على دماء مئات الملايين من البشر؟
ومهما حاول صُناعه إلباسه لباس الديمقراطية والعلمانية والإنسانية والحرية، إلا أنه سيبقى في جوهره نظامًا عنصريًا يستعبد الإنسان ويستبيح ظلمه وسحقه من أجل المصالح الشخصية والهيمنة وهذا على صعيد الدول والأفراد الذين تأثروا بالهواء الملوث.
لقد أنهى هذا النظام العالمي الجديد فكرة "الأخوة الإنسانية" تمامًا ومسخ البشر وحولهم إلى روبوتات منزوعة الروح يختبئ بداخل كل واحدٍ منها قاتل متسلسل مستعد لاستباحة كل شيء في سبيل الوصول إلى هدفه وما ذلك إلا نتيجة حتمية للعقبات التي زُرعت عمدًا في طريق كل شيء لتجريد الإنسان من إنسانيته وجعله مجرد آلة عمل وبحث عن المال وساعي خلف الترفيه والتسلية المصطنعة.
فلكي يقضي هذا النظام على تلك الأخوة من جذورها لم يكتفِ باستعباد العقول سياسيًا بل مد مقصه الجغرافي ليُمزق أوصال الأرض ويحبس البشر داخل أقفاص حدودية صماء رُسمت بالمسطرة على موائد المنتصرين
لقد تحولت الجغرافيا من فضاء فطري رحب يتسع للجميع إلى سجن كبير مقسّم بأسلاك شائكة باتت فيه الوثيقة الورقية أقدس من دم الإنسان وروحه وصار العبور من دولة إلى أخرى معضلة كبيرة "لقد فقد الإنسان والجغرافيا اتصالهما" وبات الإنسان يرفض أن يستقبل أخوه الإنسان اللاجئ من حرب لأسباب لا تتجاوز "سوق العمل" "الهوية الوطنية" ليتحول الشقيق إلى أجنبي والجار إلى عدو محتمل، وتُقطع أرحام الإنسانية تحت ذريعة "السيادة" التي لا تُحترم إلا حين تخدم مصالح الكبار.
ولتثبيت هذه الأقفاص في الوعي قبل الأرض اخترعوا أصنام "الوطنيات الضيقة" ونفخوا فيها روح العصبية والفرقة فاستُبدلت الرابطة البشرية الجامعة بهويات مصطنعة تقتات على كراهية الآخر والتعالي عليه.
أُجبر الإنسان على أن يرى العالم من ثقب إبرة حدوده المرسومة وأن يوالي ويعادي على أساس خطوط وهمية لم يصنعها حتى صار يرقص على جراح جاره ويبرر ظلمه وتشريده طالما أن الحريق لم يصل بعد إلى سياجه الزائف.
أما داخل تلك الحدود فقد أبدعت هذه المنظومة في هندسة "الإلهاء العظيم" عبر طاحونة اقتصادية لا ترحم صُممت خصيصا لإشغال الإنسان بنفسه واستنزاف طاقته في معركة البقاء البدائية.
وُضعت العقبات المعقدة في طريق أبسط الحقوق الطبيعية من لقمة العيش إلى السكن إلى الأمان ليغرق الفرد في دوامة الديون والركض اللانهائي وراء سراب الاستقرار فلا يبقى في وقته متسع للتفكير في واقعه ولا في قلبه ذرة رحمة يلتفت بها إلى آلام غيره.
وفي ظل هذا الخناق المحكم تهاوت حصون الأخلاق لتحل محلها غريزة نجاة متوحشة إذ حين تُوصد الأبواب المشروعة وتُحاط الحياة بالألغام المعيشية يتحول المجتمع إلى حلبة صراع صفري لا مكان فيها للضعفاء.
هنا تحديدًا يستيقظ ذلك القاتل الكامن خلف قناع التحضر كائن بارد يسكن في أعماقه استعداد مرعب لدهس كل قيمة وكل إنسان يقف في طريقه ليس حبًا في الشر ذاته بل لأن النظام أقنعه أن من لا يَفترس في هذه الغابة سيُفترس حتمًا.
ولم تكتمل فصول هذه الجريمة إلا بشن حرب ناعمة وشعواء لإسقاط القيم الفطرية التي جُبل عليها الإنسان وتجريده من كل مرجعية أخلاقية أو روحية تحميه من التيه جرى تفكيك الأسرة، وتسميم معاني المروءة والحياء والتكافل وإعادة تسويق الشذوذ الأخلاقي والأنانية المفرطة تحت لافتات "الحرية الفردية" و"الحداثة" وذلك بهدف مسخ الإنسان إلى كائنٍ استهلاكي هلامي بلا جذور ولا بوصلة تحركه الغرائز وتسهل قيادته كقطيع فقد ذاكرته.
وهكذا يقف إنسان العصر الحديث اليوم وحيدًا في زحام المليارات مسجونًا داخل حدوده ومغتربًا داخل نفسه يقبع في أغلال عبودية حديثة تمنحه وهم الاختيار بينما تسلب منه جوهر إنسانيته إنها أدهى مكيدة عرفها التاريخ نظام يقتلك روحيًا وأخلاقيًا كل يوم ويحولك إلى آلة صماء تدور في تروسه ثم يطالبك في نهاية المطاف بأن وتسمي هذا الخراب الشامل "تقدمًا وحضارة".
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

