احترام عفيف المُشرّف*




إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الأمة ليس فقدان الحجر وحده، بل فقدان الذاكرة التي تخبر الأجيال من أين جاءت وكيف تشكل تاريخها، وعلى أي أرض قامت أعظم أحداثها. فكيف إذا كنا نتحدث عن طمس تاريخ الإسلام ونبي الإسلام. وهو ما يقوم به النظام السعودي الذي يرتدي ثوب الوهابية الدخيل على الإسلام، وهنا نستعرض بعض تغييرات آل سعود في أطهر وأقدس الأماكن الإسلامية.

في العام 1750 وتحديداً في منطقة نجد، نشأ الفكر الوهابي الجديد الذي أسسه المدعو الشيخ محمد بن عبدالوهاب، بفكر يخالف إجماع الأمة. فكان هو لهذا الفكر الطائفي الدخيل المؤسس الذي يلبس ثوب الإسلام ويحاول أن يعيد تفصيله على مقاساته واحتياجاته.

أيضاً، لحماية هذا الفكر كان لا بد من وجود قائد يتولى حمايته وفرضه على الأمة، ومؤسس دولة المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود، والتي ومنذ نشأتها وهي تحارب الإسلام وتشوه صورته بهذا الفكر الذي تقوى بحماية آل سعود التي تسعى إلى طمس المعالم الإسلامية وتشويه الهوية الإسلامية والانتقاص من مقام نبي الإسلام.

كل هذا تفعله مملكة الشر منذ نشأتها وحتى اليوم، وهي تتقمص دور الراعي الأول للإسلام وللمقدسات. وهنا نستعرض بعض الوقائع الموثقة مما قامت به هذه المملكة وهذا الفكر في تغيير المعالم في مكة المكرمة والمدينة المنورة لكي تمحو التاريخ الإسلامي من ذاكرة الأمة.

والجميع يعرف أن مكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا مجرد مدن في الخارطة الجغرافية، بل هما ذاكرة الإسلام ومهوى أفئدة المسلمين، وفيهما ميلاد النبي ومهبط وحيه ونزول القرآن الكريم.
وفي زواياهما تاريخ يروي للأمة صفحات من أعظم ما سجل التاريخ الإسلامي.

ولكن مع الأسف الشديد، فقد تعرضت المدينتان، وعبر مراحل مختلفة من الحكم السعودي، لعمليات هدم وإزالة طالت عدداً من معالمها الإسلامية والتاريخية، التي ارتبطت بالنبي وأهل بيته وصحابته، فضلاً عن المساجد والقباب والمقابر التاريخية.

ورغم أن مكة المكرمة تعتبر مهد الإسلام الأول ومهبط الوحي، ولها ارتباط بسيرة الرسول الكريم من مولده وحتى البعثة والهجرة، امتدت إليها أيادي آل سعود مرتدية عباءة الفكر الوهابي، وأزالت مواقع تاريخية ارتبطت بحياة النبي مباشرة. فقد أزالت منزل السيدة خديجة بنت خويلد، أم المؤمنين وزوجة الرسول الأولى، وأقامت فيه مرافق عامة، وكذلك منزل الأرقم ابن أبي الأرقم الذي بدأت فيه الدعوة.

كما تمت إزالت وغيرت معالم عدد من المواقع التاريخية المرتبطة ببدايات الدعوة الإسلامية. وتعرضت أحياء تاريخية في مكة للإزالة الكاملة، وحلت مكانها فنادق ومنشآت تجارية ومشروعات عمرانية. ومع الأسف، حتى مكان مولد سيد ولد آدم محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، تم هدمه.

كما لم تسلم المدينة المنورة وهي مهجر الرسول والتي نشأت فيها أعظم دولة في التاريخ على يد أعظم نبي وقائد عرفته البشرية، فقد طالها الهدم لعدد من مساجدها ومبانيها التاريخية، وتعرضت مواقع في محيط جبل أُحد ومنطقة المساجد السبعة لتغييرات رغم أهميتها كشواهد مادية على أحداث مفصلية في تاريخ الإسلام، من غزوات الرسول ومواقفه، إلى حياة الصحابة والتابعين، والتي كان من الواجب الحفاظ عليها للتاريخ.

وحتى المقابر في البقيع والغرقد التي تضم قبور عدد من أهل بيت رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، وقبور عدد من زوجات النبي والصحابة، تعرضت لهدم الأضرحة التي كانت قائمة على تلك القبور في عهد الدولة السعودية الأولى عام 1806، وتكرر هدمها عام 1925، في عهد تأسيس المملكة السعودية الحديثة.

وللعلم أن البقيع لم يكن مجرد مقبرة، بل شاهداً تاريخياً على امتداد الأجيال الأولى من الإسلام، ولذلك ظل هدم معالمه موضع اعتراض واسع في أوساط المسلمين. طبعاً تُبرر السلطات السعودية كثيراً من عمليات الإزالة بالتطور العمراني وتوفير الخدمات للحجاج والمعتمرين، أو بمنطلقات دينية تتعلق بمنع إقامة القباب على القبور ومظاهر تعظيمها، كما يقول فكرهم الوهابي.

ويظل السؤال مطروحاً: هل كان من الضروري أن يكون التطوير العمراني على حساب الذاكرة التاريخية للأمة الإسلامية؟ أن الأمم التي لا تحترم تاريخها وتحافظ على آثارها، وتورثها للأجيال بوصفها جزءاً من هويتها وذاكرتها، سوف تكون أمة بلا جذور وبلا هوية، فإن المعالم الإسلامية ليست أحجاراً صامتة، بل شواهد على تاريخ أمة، وذاكرة أجيال، ورموز لأحداث لا ينبغي أن تُمحى من وجدان المسلمين.

فإذا كانت تلك المواقع قد شهدت ولادة الدعوة الإسلامية، واحتضنت أهل بيت النبوة والصحابة، فإن الحفاظ عليها مسؤولية تاريخية وثقافية تتجاوز حدود الدول والأنظمة. فإن التاريخ لا يُصان بإزالة شواهده، ولا تُحفظ ذاكرة الأمة بطمس معالمها، بل بحمايتها وتوثيقها.

أما التساؤلات الأهم والأخطر هي: لمصلحة من يهدم التاريخ الإسلامي؟ ولمصلحة من يشوه الإسلام؟ ولمصلحة من يتم الانتقاص من حضرة رسول الإسلام وأهل بيته وصحابته؟ ولمصلحة من كل ما يحدث؟ وللحديث بقية!

* المقال يعبر عن رأي الكاتب