د.يوسف الحاضري*

 

فلم يقتصر الفرض الديني لنبي الله نوح ولرسالته على مجتمعه بل تعدى الأمر ليصل إلى داخل بيته فوجدنا في القران ان أمرأته وابنه كانا كافرين (إن هذا لهو البلاء العظيم ) فهل يا ترى كان فاشلا اسريا وما هي الدروس المستفادة من مثل هذه وضعيه !؟

في نهاية مرحلة دعوة النبي نوح لقومه وبعد ان حق القول على الذين ظلموا وحان وقت العذاب أيضا كان هناك إختبار إضافي لنبي الله نوح ومن آمن معه لإختبار مدى ثقتهم وإيمانهم بالله عز وجل كون الحياة كلها إختبار يتلو إختبار حتى يموت الإنسان ولكن كل أختبار جديد يكون أشد من السابق كما سنتكلم في هذه السلسلة عن نبي الله إبراهيم كيف في نهاية حياته أختبره الله إختبارا شديدا وهو (أن يذبح إبنه) وهذه الإختبارات لصقل نفوس المؤمنين لتصبح اكثر صفاء ونقاوة عندما يتقلبون حبا في الثقة بالله عكس المنافقين الذين سيسقطون مع كل إختبار، لذا أختبر الله نوح وقومه بهذا الطلب أن يبني سفينة، نعم أن يصنع سفينة في منطقة ليست بحرية ولا نهرية وليست منطقة صناعية يتم صناعة سفن فيها لتباع في مناطق أخرى بل هي منطقة لم ولن يصنع فيها سفينة أي ان مكمن البلاء والإختبار هنا انهم يصبحون في ظاهر الأمر محل سخرية واستهزاء القوم الظالمين ويؤكد لهم نظريتهم في توصيف نوح بأنه مجنون ( كذبت قبلهم قوم نوح وقالوا مجنون وأزدجر) ولأن الامر قد حسم في موضوع الفريقين المؤمنين والكافرين وبأنه لن يؤمن أحد فجاءت هذه الآية (بناء السفينة) لتمحيص المؤمنين واذا مازال هناك أحد من المؤمنين مازال في قلبه مرض او منافق فسيسقط لأن الانتصار العظيم لا يحصده الا أولئك الانقياء في القلوب والإيمان عظيمي الثقة بالله (كما هو في اليمن فتأخر النصر الموعود هو للغربلة وبالفعل الغربلة مستمرة يوميا فمن نوافي العدالة الربانية ان يحتفل بالنصر ويحصد نتائجه المنافقون مع المؤمنين) وبالفعل حصل غربلة لأحد أبناء نوح والذي كان ظاهره مؤمنا وعندما جاء هذا الأمر كان هناك نقص كبير في الثقة بالله والإيمان به لذا شعر بالخجل والحياء امام استهزاء وسخرية الناس وحاول ان يمنع ويوقف اباه من بناء السفينة وأعتزله ومكث يتفرج عن بعد (كان يثق في عقليته وذكاءه اكثر من ثقته بالله وهنا أيضا كارثة يجب ألا نسقط فيها في مسار حياتنا عندما تتعارض احكام الله مع ما يصل اليه تفكيرنا بل نمضي خلف حكمة الله مهما رأينا ان الامر مخالف للمنطق الذي صنعته عقولنا مثلما هو حاصل في اليمن ايضا عندما واجهنا العالم بقدراتنا القليلة الشحيحة والفقر المدقع والعالم بكل جيوشه واسلحته وثرواته فالعقل والمنطق يقول علينا ان نستسلم والله يقول ان نثق به ونقاتلهم وسننتصر وبالفعل هذه النتيجة الحتمية)، اما الظالمون فمثل هذه الآية (بناء سفينة) فهي ليزدادوا إثما فوق إثمهم من خلال الاستهتار والاستهزاء عوضا عن انها ستكون عذابا نفسيا عليهم عندما يحل عليهم عذابا بالغرق فيتندمون وهم ينظرون لما قاموا به من سخرية واستهزاء (واذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون واما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم وماتوا وهم كافرين).
بدأ نوح في بناء السفينة مع من آمن معه وهنا تجلى عظمة ايمان نوح بالله وثقته به لا يقل عن موقف ابراهيم عليه السلام عندما استجاب لذبح إبنه وهي رسائل لنا ودروس مفادها بأننا عبيدا لله وهو الرحيم الحكيم العظيم الذي لا يقول الا حقا ولا يقرر الا رحمة لنا وليس عذابا او استهتارا واستهزاء بنا ومن هذه الرؤية يتوجب ان نتحرك وفقا لها ) فلم يتساءل عن سبب هذا الطلب الغريب جدا جدا والذي كان استمراره ألف سنة اخرى في الدعوة اسهل نفسيا له من هذا الامر، وبدأ الكافرون في السخرية والاستهزاء بل كما يستهزأ اليوم التحالف الأعرابي بنا عندما نقوم بصناعة طيران مسير وفي الاخير يبكون ويذرفون الدموع عندما تقوم هذه الطائرات الصغيرة البسيطة بالتنكيل بهم ( ويصنع الفلك وكلما مر عليه قوم سخروا منه قال ان تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون , فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) فأستهزاءكم منا ناتج عن عماكم عن الحق ( انهم كانوا قوما عمين) اما سخريتنا منكم فهي ناتجة عن ثقتنا بنصر الله في نهاية المطاف وخزيكم في الدنيا وعذابكم في الاخرة , ومن هنا يبين لنا ان الشيطان كيف مازال يغوي ويضل كثيرا من الناس فيسقطون تباعا وتباعا في شراكه وشباكه لا عن نقص من الله والعياذ بالله من ذلك فهو الكامل الحق المبين فهو يرسل المرسلين ومعهم الكتب والبينات والآيات والتأييد والمعية عكس الشيطان الذي يعدهم ويمنيهم بغرور .

أنتهى نوح من صنع الفلك (السفينة) وعندها فار التنور أي حق الحق بعذاب الكافرين ونجاة المؤمنين لذا جاء الامر الى نوح بان يسلك في السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات والطيور وأيضا اهله باستثناء الكافرين وأيضا القلة التي آمنت معه ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين إثنين واهلك الا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه الا قليل ) الآن اتضحت الصورة والحالة، الكافرون يستهزأون بنوح ومن معه وهم فوق سفينة في أرض لا بحر فيها ولا نهر وهم خارجها وقد عزموا حتى على قتل نوح ومن معه فرأوا انهم قد اجتمعوا في مكان يسهل لهم ذلك وهنا قال الله لنبيه ان يقول مع المؤمنين (الحمدلله الذي نجانا من القوم الظالمين) مما يعني ان هناك نية لقتلهم، وهنا كانت اللحظة الحاسمة (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونا فألتقى الماء على امر قد قدر) ولأن من حكمة الله انه عندما يعذب الاقوام يلزم المؤمنين أن لا يشاهدون عذابه بهؤلاء لذا كانت السفينة مغطاة وتدل على ذلك الآيات التالية (وقال أركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها) أي انها صنعت لتحميهم وليس بها أي دفة قيادة واشرعة توجيه وتحكم وسيطرة تاركين لله تحريكها واستقرارها كيفما يريد واينما يريد، وتكفل الله بتحريكها عبر موج كالجبال (وهي تجري بهم في موج كالجبال) أي ان الموج الذي يغرق الأشياء اصبح هنا أداة للنجاة والحركة وخلال هذه الوضعية رأى نوح ابنه العاصي له في الفترة الأخيرة والذي استند الى ذكاءه في انقاذ نفسه وهو في معزل ومكان مرتفع ومازال يصعد الى قمة جبل هنا نادى نوح إبنه ليأتي إليه للسفينة (يا بني إركب معنا ) ولكن الطغيان الذي يعمي الإنسان رفع من منسوب الكبر والعنجيهة عنده مع قليل من وسوسة الشيطان ليمنيه ويريه قمة جبل ويقول له ستنقذ نفسك عبر الصعود لاعلاه لذا قال (سآوي الى جبل يعصمني من الماء) فأستند الى قوة وثبات وارتفاع الجبل على وعد الله وحكمته وقدرته كما هو الحاصل اليوم عندما نرى كثيرا من أبناء اليمن وأبناء الإسلام يأوون إلى أمريكا لتعصمهم من الغرق والسقوط محتمين بقوتها وعظمة ما تمتلك من أسلحة مادية على قوة الله وقدرته وعظمته ونحن نقول لهم كما قال نوح لإبنه (لا عاصم اليوم من أمر الله الا من رحم ) فأمريكا أوهن من بيت العنكبوت وستعلمون نبأة بعد حين، وهنا غرق ابن نوح وغرقت من قبل امرأته التي خانته خيانة فكرية ودينية وليس خيانة شرفية فحاشا للأنبياء ان يخانون في شرفهم ( ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيء وقيل ادخل النار مع الداخلين) حيث أنضمت الى قومها ضد زوجها فخانت الموقف الذي يجب ان تكون عليه بعد ان كرمها الله بان جعلها زوجة نبي عظيم كنوح عليه السلام ومن هنا نستفيد ان الفضل الذي يحبوك به الله هي تلزمك مسئولية أكبر وليس للتفاخر وللتكبر على الناس فسواء كان الفضل هذا علم او مال او جاه او منصب او نسب او غير ذلك فعليك استشعار نعمة الله عليك من خلال التحرك اكثر مع الله لا ان تخون هذا الفضل من خلال الاستفادة منها استفادة شخصية لمصلحتك الذاتية فهذا يسمى كفران بنعمة الله .

بعد ان استقرت السفينة في ارض أرادها الله لتكون البداية الجديدة للبشرية بنسبة ايمان 100% مازال يحز في نفس نوح إبنه الذي رأى ان معصيته كانت في لحظاته الأخيرة من حياته لذا دعا نوح ربه (ونادى نوح ربه قال رب إن ابني من اهلي وان وعدك الحق وانت احكم الحاكمين) أراد ان يستغفر له ليرحمه الله من منطلق رأفة ورحمة نوح به رغم ان الله قد نبهه سابقا بقوله (ولا تخاطبني في الذين ظلموا ) وهنا الله عز وجل وكما هي سننه وعدالته لا يجامل احد ولا يتوسط احد عنده فخلقه للسماوات والأرض وما بينهما تخلو من الهزل واللعب والخلل بل كلها محكمة بدقة لذا رد على نوح ردا تربويا مجتمعيا بقوله ( انه ليس من اهلك) فلا تصفه بأنه من اهلك يا نوح لأنه عمل عملا غير صالح وهذا العمل الغير صالح ينتج عنه نفي لصلة القرابة التي وصفت بالأهل بين المؤمن والكافر وهي دروس لنا الا نسقط في الترحم على من ثبت انه مرتزق وعميل للأعداء خاصة أولئك الذين يترحمون على زعيم المليشيات عفاش فحتى لو كان اعماله كلها سليمة وفي اخر حياته عمل عملا غير صالح واحد فهي كافية لتنسف كل شيء كما وضحها الله هنا بقوله لنوح النبي الذي صبر 950 سنة والذي استجاب لبناء السفينة دون تردد وقال له ناهيا له بشدة وحزم ( انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم اني اعظك ان تكون من الجاهلين) فوصف الله مثل هذه الاعمال والتصرفات بالجهل فهل من مدكر .

لم يفشل نوح في توجيه اهله للحق رغم ان هناك اثنين منهم ضلا الطريق ولم يفشل كذلك ابراهيم في دعوة عمه ولم يفشل لوط في تعليم امرأته ولم يفشل محمد في عمه أبو لهب وأيضا لم يكن لفرعون يد في هداية امرأته وقريبه الآخر (رجل من آل فرعون يكتم إيمانه) فالدعوة لله لا تكون بالإجبار والقوة والصبر على هؤلاء من عزم الأمور لذا لم نجد نبيا واحدا طلق امراته رغم ان بعضهن كما نرى تكون ضده من منطلق رحمتهم بهن وخشيته عليهن أن يكون نهايتهن للنار ان تركها فتزداد ظلالا لذا يتمسك الأنبياء بكل الآمال حتى آخر لحظة ويترك لله الامر في تقرير النهاية فهم يدركون انهن لا يشكلين سمعة سيئة لهم إن ضلين وبالعكس في حالة هدايتهن يرتقين بأنفسهن اكثر (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ) يعني ترتفع منزلتها في التقوى ولا يفيدها أي قرابة من أي رسول او نبي ان خانت الله ورسوله ( فلم يغنيا عنهما من الله شيء) بل قيل لهما (ادخلا النار مع الداخلين) يعني منزلتهن أصبحت دنيئة قليلة لا تقل سوء عن البقية (مع الداخلين) .

حاولنا ان نختصر بشكل كبير جدا في موضوع نبي الله نوح رغم ان هناك الكثير والكثير من الاطروحات الدروس المستفادة منها ومما تنعكس علينا بالإيجاب في حياتنا (لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)

* كاتب وباحث في الشئون الدينية والسياسية