دكتاتورية الحزبين في السياسة الأميركية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تقدم الولايات المتحدة نفسها بأنها راعية الديمقراطية في العالم، وعلى هذه القاعدة تحاسب غيرها من الدول، وتحتل شعوباً وتسقط أنظمة بذريعة دعم الحرية والديمقراطية، وهي ذريعة يسهل دحضها لأن الواقع الأميركي مغلق كلياً أمام أي حركات سياسية أخرى غير الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي، ورغم الخلافات بينهما إلا أن هنالك ثوابت لا يحيد عنها الطرفان، كحماية الصهيونية والحفاظ على مصالح الأثرياء على حساب مصالح المواطنين من أبناء الطبقة العاملة.
وهذا النوع من السياسة لا يختلف كثيراً عن سياسة الاتحاد السوفيتي أو الدول الموالية له في المعسكر الاشتراكي سابقاً، باختلاف أن الولايات المتحدة تدير رأسماليتها المتوحشة بحزبين بدلاً من حزبٍ موحد، وهذا هو الثابت منذ العام 1854، عندما نجح الحزب الجمهوري في ترسيخ نفسه كقوة سياسية تنافس غريمه الديمقراطي، ومنذ ذلك الحين، أصبح النظام السياسي شبه مغلق أمام القوى الجديدة، خاصةً تلك التي تنادي بحقوق العمال أو الخروج عن الوصاية الصهيونية.
هيمنة الحزبين، (الديمقراطي والجمهوري) هي نتيجة هندسة سياسية وقانونية تجعل من شبه المستحيل على أي حزب ثالث أن ينافس بعدالة، وليست نتاج تفوق شعبي، كما قد يعتقد البعض، ففي الديمقراطية الفعلية، إذا حصل حزب "أ" على 15% من أصوات الشعب، فإنه يحجز 15% من مقاعد البرلمان. في أمريكا، الأمر مختلف تماماً، فالطرف الثالث يصطدم بحائط البيروقراطية التابع للحزبين، وحتى ينجح مرشح من غير الديمقراطيين والجمهوريين يجب أن يمر باختبارات تعجيزية أولها جمع خمسين ألف توقيع من ناخبي الولاية التي ينتمي إليها، فيما مرشحو الحزبين يتمتعان بــ "الوصول التلقائي" للانتخابات دون عناء.
وفي حال نجح المرشح المحايد في جمع التواقيع، يقوم محامو الحزبين الكبيرين غالباً بالطعن في صحة هذه التواقيع أمام القضاء (مثلاً: التوقيع غير مطابق تماماً للهوية، أو الناخب غير عنوان سكنه). وهذا يجر الحزب الثالث الصغير إلى معارك قانونية تستنزف أمواله القليلة قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية فعلياً.
إضافة إلى فرض رسوم باهضة يحددها المسؤولون في كل ولاية على المرشح الجديد، مما يستنزف ميزانية الأحزاب الصغيرة قبل أن تبدأ حملتها، ومن الصعب على حزب ثالث أن يوفر هذه المبالغ إلا إذا كان مدعوماً من رؤوس الأموال العملاقة، والتي تدعم كتلتي الجمهوريين والديمقراطيين.
كما أن المناظرات التلفزيونية لا تعترف بأي طرف ثالث، وبالتالي من الصعب على غير الحزبين الظهور في وسائل الإعلام الحزبية أو التجارية، وكما هو معروف فإن المشهد الإعلامي الأمريكي منقسم إلى "خنادق" فكرية تمنع وصول أي صوت خارج الثنائية التقليدية؛ حيث تتصدر قنوات مثل "Fox News" وصحف كـ "The Wall Street Journal" و"New York Post" جبهة الدفاع عن مصالح الجمهوريين، بينما تشكل منصات مثل "MSNBC" و"CNN" وصحيفتي "The New York Times" و"The Washington Post" المعقل الإعلامي للتيار الليبرالي والديمقراطي، وهذا الانقسام يحصر المواطن الأمريكي في "فقاعة معلوماتية" مستمرة، حيث يتم تلميع رموز الحزبين وتهميش أو تسفيه أي حركات سياسية بديلة.
كما يتجنب الفريقان الخوض في القضايا الجوهرية التي قد تمس هيكل النظام الرأسمالي أو السياسة الخارجية الثابتة تجاه الصهيونية. وعليه، يصبح ظهور حزب ثالث في ظل هذا "الحصار الإعلامي" انتحاراً سياسياً قبل أن يبدأ، لكونه يفتقر إلى المنصة التي تخاطب الجماهير بعيداً عن فلترة الحزبين الحاكمين.
ولا ينبغي إغفال الدور المحوري لـ 'اللوبي الصهيوني' الذي يتقاطع عضوياً مع الرأسمالية المتوحشة عبر لجان العمل السياسي (PACs)؛ مما يخلق 'رقابة مالية' تفرض حصاراً خانقاً على أي صوت متمرد يطالب بحقوق الطبقة العاملة أو يرفض تمويل الآلة العسكرية.
وبذلك، تتحول الديمقراطية الأميركية إلى مجرد 'واجهة إجرائية' لإدارة مصالح تكتل احتكاري يحمي ثروات الأثرياء ويضمن استدامة المشروع الصهيوني كجزء لا يتجزأ من الهيمنة الرأسمالية العالمية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

