الأمم المتحدة في مرآة التوترات العالمية
د. شعفل علي عمير*
تشهد الساحة الدولية في الآونة الأخيرة تصاعدًا في التوترات التي تؤثر على السلم العالمي وتثير العديد من التساؤلات حول فعالية ودور الأمم المتحدة في معالجة الأزمات المتزايدة.
إن هذه الهيئة، التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية؛ بهَدفِ حماية السلم والأمن الدوليين، تجد نفسها اليوم مكبلة بمصالح القوى العظمى، تعاني من عجز هيكلي يفقدها القدرة على التصدي للأحداث الجسيمة.
واقع الهيمنة وعجز المنظمات
التوترات المُستمرّة والحصار العسكري المفروض على اليمن، إضافة إلى الضغوط المفروضة على الجمهورية الإسلامية في إيران وحرب الإبادة والتجويع في غزة، إلى جانب الحوادث المتعلقة باختطاف القادة كما حدث في فنزويلا وغيرها في الماضي القريب؛ كُـلّ هذه التحديات تكشف عن واقع مؤلم يعلم الجميع أن الولايات المتحدة وكَيان الاحتلال الصهيوني يتصدران مشهد الهيمنة العالمية، بينما يقف المجتمع الدولي عاجزًا، مقيدًا بمصالحه الضيقة.
مما يطرح تساؤلات جوهرية حول دور الأمم المتحدة الذي أُنشئت؛ مِن أجلِه؛ وفي هذا السياق يتساءل الكثير من شعوب المنطقة: هل أصبحت منظمة الأمم المتحدة شبيهة بالجامعة العربية التي أصبح الأمن القومي العربي فيها يقتصر على أمن تلك الدول التي تدفع رواتب موظفيها، وأصبح الأمن القومي الجمعي بعيدًا عن أهدافها؟
انحراف البُوصلة وازدواجية المعايير
بالنظر إلى الأدوار المنوطة بالأمم المتحدة، كان من المفترض أن تعمَلَ المنظمة كحِصنٍ للأمن والسلام الدولي.
لكن، ومع مرور الوقت، انحرفت هذه البُوصلة بعيدًا عن الغايات المنشودة، لتتحوَّلَ إلى وسيلةٍ تُستغَل من قبل بعض القوى العظمى في تبرير عدوانها وممارسة ضغوطها على الدول الأُخرى؛ وهنا وجه من أوجه التشابه بين الأمم المتحدة والجامعة العربية التي برّرت العدوان على اليمن!
إن مجلسَ الأمن، الذي يُفترَضُ أن يكونَ حجرَ الزاوية في منظومة الأمن الدولي، أصبح رهينًا للُعبة المصالح الدولية بفضلِ حق "الفيتو"، الذي تتلاعَبُ به الدولُ الكبرى لتعطيلِ الجهود الحقيقية لوقف العدوان والانتهاكات الصارخة.
هذه الازدواجيةُ تبرُزُ في أُسلُـوب تعامل الأمم المتحدة، حَيثُ يقتصرُ الردُّ في كثير من الأحيان على بيانات تنديد تصحبها إجراءاتٌ تنفيذية ضعيفة لا ترتقي لمستوى الحدث.
العدوان اليوم تجاوز إطارَ العمليات العسكرية؛ فقد أصبح يشمل وسائل أُخرى من الممارسات الاقتصادية والسياسية، كالعقوبات الاقتصادية والتدخلات في السيادة الوطنية للدول.
هذا الاستغلال يُظهِرُ مدى استخدام الأمم المتحدة كمِنصة لتحقيق أجندات بعيدة كُـلّ البعد عن الأهداف السامية التي أُسِّست؛ مِن أجلِها.
الحل: إصلاح شامل أم بقاء العجز؟
يتطلَّبُ هذا الوضعُ إعادةَ تقييم شاملة لآليات عمل الأمم المتحدة وتنفيذ إصلاحات حقيقية تضمَنُ العدالةَ والحِياد.
ينبغي أن يكونَ هذا الإصلاح شاملًا، لا يقتصرُ فقط على الهيكلية التنظيمية، بل يشمل أَيْـضًا عمليات صنع القرار وتنفيذ السياسات بفعالية.
وهنا يجبُ على الأمم المتحدة أن تتجاوزَ الدبلوماسية التقليدية واعتماد استراتيجيات أكثر فعالية لمواجهة التحديات العالمية الراهنة، وتأمين تنفيذ القرارات ومتابعة آثارها على أرض الواقع.
إن تحقيق المساواة في التعامل مع جميع الدول يعد من الأسس الضرورية لاستعادة الثقة في منظومة الأمم المتحدة.
ينبغي أن يكونَ دور الأمم المتحدة دور الوسيط النزيه الذي يوازن بين مصالح الدول وواجباتها نحو السلم والأمن الدوليين، ليتم تحويلها إلى منارة أمل للمستقبل، بدلًا عن كونها مراقبًا عاجزًا أمام الأحداث العدوانية.
ويعتمدُ نجاحُ الأمم المتحدة في تحقيق أهدافها النبيلة على قدرتها على التكيف مع التحولات العالمية واستعداد المجتمع الدولي للتعاون ضمن إطار مبادئ العدالة والاحترام المتبادل.
يجب على المنظمة أن تستعيدَ مكانتها كمرجع دولي للمظلومين وداعم للسلم العالمي، وأن تتجاوز العقباتِ التي تواجهها اليوم لتكون فعلًا منارةً للأمل في مستقبل يسوده السلام.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت

