السياسية || محمد محسن الجوهري*

أينما سمعت هذه العبارة فاعلم أن صاحبها أداة في مشروع الصهيونية العالمية، ومثل هذه العبارات وردت في الضفة الغربية وقطاع غزة قبل احتلالهما في نكسة يونيو 1967، فالممهدون للاحتلال هم الخط الأول في المؤامرة، وعليهم خلق أرضية مؤيدة للخنوع من داخل الصف الإسلامي، وعلى أحرار الأمة التعامل معهم باعتبارهم صهاينة من الدرجة الأولى.

مؤخراً، تكررت العبارة كثيراً في العراق لنزع سلاح الحشد الشعبي، والشعارات سخيفة جداً كالوطنية وسيادة الدولة وغيرها من الترهات التي كانت سبباً في سقوط محافظات عراقية كبرى أمام داعش قبل سنوات قليلة، ولولا الحشد الشعبي وسلاحه الشريف لاختفت العراق من الخارطة، واختفى معها دعاة السيادة الوهمية.
المفارقة أن الدعوة إلى «حصر السلاح» في العراق لم تُوجَّه يومًا ضد القواعد الأميركية، ولا ضد النفوذ الأجنبي، بل صُوّبت حصريًا نحو الفصائل التي ترفع خطاب السيادة وترفض التبعية. وبذلك أصبح السلاح «غير شرعي» فقط حين يكون خارج السيطرة الأميركية، أما حين يكون بيد الاحتلال أو حلفائه، فيتحول إلى «تعاون أمني» و«شراكة استراتيجية».

إلّا أن لبنان كان الأشهر في ترديد هذه العبارة، والخصم هنا هو نفسه الذي سلّم لبنان وسيادته وشعبه للكيان الصهيوني في ثمانينيات القرن الماضي، واستقبل جنوده في بيروت بالورود والنساء. ومن الجهل التعامل معه باعتباره طرفًا وطنيًا، لأن النتيجة ستكون نفسها: عودة الاحتلال، وسيستقبلونه من جديد بما استقبلوه به في الأمس.

وما يثبت خطورة هذا الخطاب أن من يرفعون اليوم شعار «حصر السلاح» لم يراجعوا تاريخهم، ولم يعتذروا عن دورهم السابق، بل يعيدون إنتاج أنفسهم بالخطاب ذاته ولكن بلغة جديدة. فهم لا يرون في العدو عدوًا، بل يرون في المقاومة عبئًا، ولا يعتبرون الاحتلال خطرًا وجوديًا، بل يعتبرون السلاح الذي يردعه مشكلة.

وهكذا يُعاد تدوير الهزيمة على أنها «واقعية سياسية»، ويُقدَّم الخضوع بوصفه «عقلانية»، بينما يُصوَّر الدفاع عن الأرض والكرامة على أنه تهور وفوضى، في قلب معادلة لا تخدم إلا العدو ذاته الذي لم يغادر يومًا حساباتهم ولا تحالفاتهم.

وهذه الدعوات لا ترتفع في لبنان إلا للإشارة إلى حزب الله وأعداء الكيان، والسبب أن سلاح المقاومة هو العائقَ الوحيد أمام التفوّق الصهيوني المطلق. فلم يُطرح هذا الشعار يوم كانت الميليشيات الطائفية تعبث بالبلاد، ولا حين كان الكيان الصهيوني يحتل الجنوب ويقصف بيروت، بل عاد بقوة فقط بعد أن أثبتت المقاومة أن السلاح خارج الإطار الرسمي المرسوم غربيًا قادرٌ على كسر هيبة «إسرائيل» وإفشال مشاريعها.

ولا حل سوى مواجهة ذلك بالسلاح نفسه، فهذه الأطراف جزء من المخطط الصهيوني العازم على إعادة احتلال لبنان وإبادة المسلمين فيه، ولا إسلام لمن يقبل بالصهيونية، كما أن التعايش مع المسيحيين أثبت فشله على الأرض، فالمسيحي لا يعترف بالمسلم اللبناني ويدعو إلى طرده أو قتله، بدايةً من اللاجئ الفلسطيني ثم الشيعة وقريباً الطوائف الأخرى، وصدق الله الذي كشف نواياهم الخبيثة في كتباه وأكد أن الحل في ثقافة السلاح لا ثقافة الخنوع والاستسلام.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب