سند الصيادي*

خلالَ فترة وجيزة، تبدَّلت موازين السيطرة في عدد من المحافظات الجنوبية المحتلة، في مشهد يؤكّـد أن الكَياناتِ المحليةَ التي فُرضت على الجنوب لم تكن سوى أدوات وظيفية، مُنحت مساحة حركة محدّدة، ثم جرى تقليصُها أَو التخلص منها عندما حاولت الخروج عن الدور المرسوم لها.

هذا التحولُ يعكسُ منطقًا ثابتًا في سلوك قوى الاحتلال: لا حلفاء دائمين، بل أدوات قابلة للاستهلاك.

وما يجري في عدن والمحافظات الجنوبية المحتلّة ليست أحداثًا معزولةً أَو إخفاقات عابرة، بل هو نتاجٌ مباشرٌ لمشروع احتلالي متكامل وممنهج يقوم على إدارة الفوضى، وإعادة تشكيل الصراع الداخلي بما يخدمُ مصالحَ خارجية لا ترى في اليمن سوى ساحة نفوذ وثروات قابلة للنهب.

يمكن اليوم قراءة التحَرُّكاتُ العسكرية المتسارعة، والتحشيدات المتناقضة، وتعدّد المليشيات المتصارعة، كمؤشرات على مرحلة جديدة من إعادة إنتاج العنف، حَيثُ إن تحقيق الاستقرار أَو بناء الدولة بات أبعدَ ما يكون عن التوقُّع، بل يجري تهيئةُ الأجواء لتفجير صراعات داخلية تُبقي الأرضَ مشتعلة، وتمنع أي شكل من أشكال الاستقرار السياسي أَو الاجتماعي.

والفوضى هناك ليست نتيجةَ خلل، بل أدَاة حكم.

وقد أثبت عقدٌ كاملٌ من الاحتلال أن سياسة «فَرِّقْ تَسُدْ» ليست شعارًا قديمًا بل ممارسة مستدامة، تُدار يوميًّا بعناية في بيئة باتت مهيأة ومتاحة بكل القراءات.

في المحافظات الجنوبية المحتلّة، يتم تغذيةُ الانقسامات المناطقية والسياسية، وتحويل الخلافات إلى اقتتال دموي، بينما يقف المحتلّ، بهيكلته الإقليمية والدولية، في موقع المخرج الذي يدير المشهد من خلف الستار، فيما يصبح أبناءُ الأرض وقودًا لحرب وكالة، يدفعون دماءَهم ثمنًا لشعارات مضللة ومصالح لا تخصهم.

فالمعاناة الإنسانية التي عاشها سكانُ عدن وبقيةُ المناطق المحتلّة طوال السنوات الماضية، والمسكوت عنها حقوقيًّا بفعل التأثيرات الأمريكية على هذه الملفات، تكشف الوجه الحقيقي لهذا المشروع: سجون سرية، اغتيالات ممنهجة، قمع للحريات، وانهيار شبه كامل للأمن الاجتماعي.

كُـلّ ذلك يحُدثُ في ظل سلطات أمر واقع هشة وغير ثابتة، لا تمتلك قرارها، وتدين بالولاء لمن يموِّلُها ويوجهها.

أصبح القمعُ هناك سياسة ثابتة لإسكات أي صوت رافض أَو مستقل.

أما التدهورُ المعيشي والخدمي، فلا يمكنُ تفسيرُه كفشلٍ إداري أَو عجز مؤسّسي فحسب، بل كخيار متعمد؛ فقد ثبت لدى الغزاة والمحتلّين أن سياساتِ الإفقار، وانقطاع الكهرباء والمياه، وانهيار العملة، أدوات ضغط وإذلال فاعلة، تُستخدم لتركيع المجتمع، ودفعه نحو الانشغال بلقمة العيش بدلًا عن التساؤل عن مصيرِ الثروات المنهوبة والعائدات السيادية التي تُدارُ من الخارج.

ومن منطلق الحرص على أشقاء الدم والوطن، تتزايد المخاوفُ مع تصاعد خطورة المرحلة الراهنة، حَيثُ يُعاد إنتاج سيناريو «المحرقة الداخلية» عبر تفجير الصراعات بين أدوات المشروع نفسه، في مشهد يعكس حجم الاستهتار بحياة المدنيين ومستقبل المدن.

فحين تنتهي صلاحية أدَاة، تُستبدل بأُخرى، بينما يظل الدمُ اليمني هو الخسارة الوحيدة الثابتة.

إن ما تحتاجُه عدن اليوم ليس مزيدًا من الوصاية ولا مزيدًا من المليشيات، بل وعيًا جمعيًّا يدرك أن الخَلاصَ لا يأتي عبر أدوات الاحتلال، بل عبر وحدة الموقف، ورفض الارتهان، والانحياز الصريح لمصلحة الوطن والإنسان.

فالعقد المنصرم كان كافيًا ليكشفَ الحقيقة كاملةً، وما بعده لن يكونَ إلا سقوطًا مدويًا لكل من راهن على بقاء الاحتلال وأدواته.

والتاريخ يؤكّـد أن الشعوب قد تصبر طويلًا، لكنها لا تنكسر.

وأن الاحتلالَ، مهما طال، يحملُ في داخله بذور سقوطه؛ فإرادَة الكرامة، حين تتجذر، تتحوَّلُ إلى قوةٍ قادرة على إسقاط كُـلّ مشاريع التفتيت، وتعيد توجيه الصراع نحو وجهته الحقيقية: التحرّر، واستعادة القرار الوطني، وبناء دولة لا تُدار من غرف الخارج.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت