الشهيد القائد.. مشروع مدروس في زمن الاستهداف
عبدالمؤمن محمد جحاف*
لم يكن المشروع القرآني الذي قدّمه وتحَرّك به الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي – رضوان الله عليه – مُجَـرّد خطابٍ ديني أَو ردّة فعلٍ عاطفية في وجه أحداثٍ عاصفة، إنما نموذج إسلاميّ راقٍ ومتكاملٍ، يُعدّ اليوم من أعظم المشاريع الفكرية والتحرّرية نضجًا وفاعلية على مستوى الساحة الإسلامية والعالمية.
مشروعٌ أثبتت الوقائع قدرتَه على مواجهة الأزمات، وتحصين المجتمعات، ونقل الأُمَّــة من حالة الدفاع المربك إلى أفق البناء الواعي والمسؤول.
لقد جاء المشروع القرآني كإجَابَة شاملة على أسئلة المرحلة، وكخارطة طريقٍ لإنقاذ الأُمَّــة من حالة التيه والاستلاب، لا عبر شعاراتٍ فضفاضة، بل من خلال رؤية متماسكة تستند إلى القرآن الكريم؛ باعتبَاره مصدر الهداية والبصيرة، ومنطلق الفهم الصحيح للواقع، وأدَاة المواجهة الحضارية في وجه قوى الهيمنة والاستكبار.
الوعي.. جوهر المشروع وعماده الأول
لعلّ أبرز ما يميّز المشروع القرآني، وأعظم ما قدّمه للأُمَّـة، هو إعادة الاعتبار لقيمة الوعي، بوصفه السلاح الأهم في ميدان الصراع.
فالشهيد القائد أدرك مبكرًا أن أخطر ما تعانيه الأُمَّــة العربية والإسلامية ليس الفقر المادي ولا الضعف العسكري فحسب، بل حالة الاستغفال والتدجين التي تعرّض لها وعيها الجمعي، حتى باتت كثير من القضايا تُقرأ بسطحية، وتُفهم بمنطق العدوّ، وتُدار بما يخدم مصالحه.
وقد كان استهداف الوعي العام للأُمَّـة أحد أهم محاور المشروع الصهيوني–الأمريكي، عبر التضليل الإعلامي، وتزييف المفاهيم، وتمييع القضايا المصيرية، وتحويل الشعوب إلى كتلٍ منفعلة لا تمتلك القدرة على الفهم ولا الجرأة على الموقف.
من هنا، جاء المشروع القرآني ليعيد بناء الإنسان من الداخل، ويوقظه على حقيقة الصراع، ويمنحه أدوات الفهم والتحليل، بدل الاكتفاء بردود الأفعال العابرة.
مشروع مدروس لا انطلاقة عشوائية
على عكس ما حاولت بعضُ الأطراف تصويرَه، لم تكن انطلاقة المشروع القرآني عفوية أَو ارتجالية، ولم تكن دروسُ ومحاضراتُ الشهيد القائد مُجَـرّدَ تثقيف عام انفعالي في مواجهة الهجمة الشرسة التي تقودها الإمبريالية العالمية ممثّلة بأمريكا وكَيان الاحتلال الصهيوني ضد الإسلام والمسلمين.
بل كانت تلك الدروس تمثل برنامجًا فكريًّا متكاملًا، بُني على دراسة عميقة للواقع، وتشخيص دقيق لأمراض الأُمَّــة، ورؤية واضحة لمسار المواجهة.
كل خطوة في هذا المشروع كانت محسوبة، وكل فكرة طُرحت في سياقها الزمني والمعرفي، ضمن تسلسلٍ منهجي يراعي التدرّج في البناء، ويهدف إلى نقل المجتمع من مرحلة الإدراك الأولي إلى مرحلة الوعي العميق، ثم إلى الفعل المسؤول.
وقد تجلّى ذلك بوضوح في سلسلة الدروس والمحاضرات التي قدّمها الشهيد القائد وفق جدولٍ زمني مدروس، يلحظ قضية التدرّج والتسلسل الهادف، بعيدًا عن القفزات غير المحسوبة.
منهجية واضحة وتسلسل هادف
إن المتأمل في مضامين محاضرات ودروس الشهيد القائد يلحظ بوضوح الطرح المنهجي الدقيق، حَيثُ جرى ترتيب القضايا وفق أولوياتها، والانتقال بالمتلقي من المفاهيم الأَسَاسية إلى القضايا الكبرى، ومن تشخيص الواقع إلى تحديد الموقف، ومن الموقف إلى تحمل المسؤولية.
هدفُها بناء وعيٍ قادر على الصمود، ومجتمعٍ محصّن من الاختراق، وساحة داخلية عصية على التوظيف والاستغلال السيئ للأحداث والقضايا.
ولهذا، فإن نجاحَ المشروع القرآني وتقدّمه وتطوره – رغم ما واجهه ولا يزال من هجمات وحروب وتشويه واستهداف – يُعدّ بحد ذاته شهادةً حيّةً على كفاءته وفعاليته وجدواه.
فالمشاريع الهشّة تسقط عند أول اختبار، أما المشروع القرآني فقد ازداد رسوخًا وانتشارًا وتأثيرًا كلما اشتدّت عليه التحديات.
من التصدي إلى البناء
لقد نقل المشروعُ القرآني الأُمَّــة – ومن تفاعل معه بصدق – من حالة التصدي الدفاعي المحدود إلى أُفُقٍ أوسَعَ عنوانه البناء والمسؤولية الحضارية.
بناء الإنسان الواعي، وبناء المجتمع المتماسك، وبناء الموقف الحر المستقل، بعيدًا عن التبعية والارتهان.
وهو ما يجعل هذا المشروع نموذجًا إسلاميًّا قابلًا لأن يُستلهَمَ في كُـلّ الساحات التي تبحثُ عن الخَلاص من الهيمنة، وعن طريقٍ يعيد للأُمَّـة كرامتها ودورها.
في المحصلة، المشروع القرآني تجربةٌ حيّة غيرُ معزول عن الواقع، أثبتت أن العودةَ الصادقة إلى القرآن، بفهمٍ واعٍ ومنهجٍ عملي، قادرة على صناعة التحول، وإعادة صياغة الوعي، وفتح آفاق المستقبل أمام أُمَّـة طالما أُريد لها أن تبقى أسيرة الهزيمة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* موقع انصار الله

