السياسية || محمد محسن الجوهري*

تأسس حزب الإصلاح كفرعٍ لجماعة الإخوان المسلمين ولخدمة الأهداف السعودية في اليمن، هكذا جاء في بيانه التأسيسي الذي تلاه حينها محمد اليدومي، الرئيس الحالي للإصلاح، ولكن مع مرور الأيام تنقّل الإصلاح بين المواقف السياسية، سواءً المناهضة للسعودية أو الموالية لها، لا لأن قادته يعشقون التناقضات وحسب، بل لأن المملكة نفسها ساعةً تُقرّب الجماعة وساعةً تنتقم منهم لأسباب لا علاقة لهم بها.

في 2011 بدأ الخريف المعلن بين حزب الإصلاح والرياض، وقد تعزّز العداء بعد إسناد النظام السعودي لإسقاط أول حاكمٍ إخواني لمصر وحظر الجماعة عربيًا، ما دفع اليدومي للتبرؤ من الإخوان للمرة الأولى في تاريخ الحزب، ومع ذلك بقي الجفاء السعودي على حاله، ولم تغيّر إدارة الملك عبدالله موقفها المناهض لكل فروع الجماعة، بما فيها فرع اليمن.

ومع وصول الملك سلمان وابنه إلى السلطة مطلع العام 2015، وإعلانهما العدوان الغاشم على اليمن، كان حزب الإصلاح في طليعة المرحّبين به وبجرائمه المروّعة بحق الشعب اليمني، وظلّوا شركاء له في كل إجرامه، يباركون القصف ويزحفون على الأرض، ويحرّكون ورقة القاعدة والإرهاب بما يخدم المصالح السعودية، ومن هنا كانت التفجيرات الإرهابية في صنعاء وسائر المحافظات، وأبرزها تفجيرات 13 يونيو 2015، التي تبنّتها القاعدة وقدّمها الإعلام السعودي أعمالًا بطولية، واصفًا لها بـ"المقاومة".

ورغم أن الطيران السعودي قصف ميليشيات الإصلاح مراتٍ متعددة في الجبهات وعلى أكثر من محور، إلا أن الحزب بلع الضربة بذريعة الحفاظ على وحدة التحالف، وظل الحال كذلك حتى تاريخ الأزمة الخليجية منتصف العام 2017، عندئذٍ أفرغ إخوان اليمن كل ما بجعبتهم من أحقاد تجاه المملكة خدمةً للأجندات القطرية، وحينئذٍ فقط أدرك الإصلاح أن العدوان السعودي كان يستهدف كل أبناء الشعب، وأن السعودية قوة احتلال لا قوة تحالف، ونجحوا ببراعة في تشويه سمعة النظام السعودي والتشنيع به في الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي.

وبقي الإصلاح على حالة العداء تلك حتى ديسمبر 2025، فقد اضطرت السعودية إلى الاستعانة بالإصلاح للتخلص من حلفاء الإمارات في الجنوب، لتنقلب الموجة الإخوانية إلى النقيض من جديد، وفجأة سمعنا نشطاء الإصلاح يطبّلون للمملكة بنفس الوتيرة التي استقبلوا بها العدوان قبل عشر سنوات، متجاهلين حملات التشنيع المتبادلة من قبل، ولتبدأ المملكة وهم مرحلة أخرى من الاصطفاف السياسي المؤقت، وهو ما قد يتغير في لحظة بمجرد أن تستغني الرياض عن خدمة الإصلاح، أو أن تجد حليفًا آخر كالعفافيش أو أي فصيل مرتزق.

وثمن هذا التحالف هو بحر من الدماء اليمنية من مختلف الجماعات السياسية في البلاد، فأي تحالفٍ سعودي إخواني يصحبه حملة تكفير واغتيالات، كما رأينا في كل تحالفاتهم السابقة، بدايةً باغتيالات الاشتراكيين في صنعاء، والحرب على صعدة، وحتى الحربين الأخيرتين في الجنوب في 2019 و2025، وهو ما يؤكد أن السعودية وحزب الإصلاح قلّما يجتمعان على فضيلة، وأن اجتماعهما لا يكون إلا على منكر وحروب دامية تعصف بالشعب اليمني في الشطرين.

وفي المحصلة، لا يبدو حزب الإصلاح إلا رقمًا قابلًا للتدوير في دفاتر السياسة السعودية، يُستدعى حين الحاجة ويُرمى عند انتهاء الدور، بلا ذاكرة ولا كرامة سياسية. فكل جولة اصطفاف جديدة لا تعني إلا إعادة إنتاج الدم، وتدوير الخيانة بأسماء مختلفة، فيما يبقى الشعب اليمني هو الوقود الدائم لتحالفات عابرة لا تعرف وطنًا ولا مبدأ. وهكذا، كلما ارتفعت طبول الولاء، كان على اليمن أن يستعد لجنازة أخرى، لأن من يراهن على الخارج لا يحصد إلا الخراب، ومن يجعل نفسه أداة، لا يحق له أن يدّعي يومًا أنه كان شريكًا.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب