"الخطر الإيراني".. توظيف سياسي لحماية الكيان
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في الخطاب العربي السائد منذ أربعة عقود، جرى تقديم إيران بوصفها «الخطر المركزي» على المنطقة، حتى غدا هذا الوصف بديهية لا تُناقش. غير أن التمحيص الهادئ في الوقائع، وتسلسل الأحداث منذ عام 1979، يكشف أن هذا العداء كان نتاج هندسة سياسية وأمنية قادها الكيان الصهيوني، وجرى تعميمها عبر أدوات دولية وإقليمية، بهدف تثبيت "إسرائيل" بوصفها خارج دائرة المساءلة، وتحويل الأنظار عن كونها الخطر البنيوي الحقيقي في المنطقة.
منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، لم تُخفِ تل أبيب قلقها العميق من سقوط أحد أعمدة التوازن الإقليمي الذي كان قائماً في عهد الشاه، حين كانت إيران حليفاً صريحاً لـ"إسرائيل" وشريكاً في منظومة المصالح الغربية. هذا التحول لم يكن أيديولوجياً فحسب، بل استراتيجياً بامتياز؛ إذ خرجت دولة وازنة سكانياً وجغرافياً من معسكر الاصطفاف الإسرائيلي، ورفعت خطاباً معادياً للمشروع الصهيوني، من زاوية رفض شرعية الاحتلال نفسه. هنا تحديداً بدأ بناء «الخطر الإيراني» بوصفه تهديداً وجودياً، لا لـ"إسرائيلط وحدها، بل للمنطقة والعالم.
الدليل الأول على مركزية الدور الإسرائيلي يتمثل في طبيعة الملفات التي جرى تضخيمها وتسويقها دولياً. البرنامج النووي الإيراني، على سبيل المثال، لم يُطرح كقضية قانونية تُناقش ضمن معاهدة منع الانتشار النووي، وإنما كفزاعة أمنية مفتوحة على الاحتمالات، رغم خضوعه لعشرات التقارير الرقابية الدولية، ورغم أن الجهة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك ترسانة نووية خارج أي رقابة أو مساءلة هي "إسرائيل" نفسها. هذا الكيل بمكيالين تم بضغط سياسي وإعلامي ممنهج قادته تل أبيب داخل العواصم الغربية ومراكز القرار.
أما الدليل الثاني فيتجلى في مسار العقوبات والحصار. فالعقوبات القاسية التي فُرضت على إيران منذ الثمانينيات ارتبطت أساساً بموقفها من "إسرائيل"، ودعمها العلني للقضية الفلسطينية وحركات المقاومة. في المقابل، لم تتعرض "إسرائيل" لأي شكل من أشكال العقاب، رغم سجلها الحافل بجرائم الإبادة، والاحتلال، وخرق القرارات الدولية، وممارسة سياسات الفصل العنصري. هذا التناقض لا يمكن تفسيره إلا بكون «الخطر الإيراني» وظيفة سياسية تخدم تغطية الخطر الإسرائيلي.
الدليل الثالث يتصل بدور الأدوات الإقليمية. كثير من النزاعات التي قُدمت للرأي العام العربي على أنها «صراع مع النفوذ الإيراني» جرى تأجيجها ضمن سياق أوسع هدفه تفكيك أي محور إقليمي يعارض الاحتلال الإسرائيلي. وكان المطلوب من هذه الأدوات أن تُبقي المنطقة في حالة استنزاف دائم، وأن تُرسّخ فكرة أن العدو ليس الاحتلال، بل طرف إقليمي مسلم، ما يؤدي تلقائياً إلى تفريغ الصراع العربي–الإسرائيلي من مضمونه التاريخي والأخلاقي.
وعند فحص السلوك الإيراني نفسه، بعيداً عن الضجيج الدعائي، يتضح أن إيران، منذ 1979، لم تبادر بحرب على أي دولة في المنطقة، ولم تحتل أرضاً خارج حدودها، ولم تُنشئ نظام فصل عنصري أو مشروعاً استعمارياً استيطانياً. قد تختلف الدول مع سياساتها، أو مع بعض أدوات نفوذها، لكن تحويل هذا الخلاف إلى «خطر وجودي» لا يستقيم منطقياً إلا إذا وُضع في سياق الحاجة الإسرائيلية الدائمة إلى عدو بديل.
في المحصلة، فإن العداء لإيران، بصيغته المتداولة، هو نتيجة سردية صُنعت بعناية، وجرى ضخها باستمرار، لتبقى "إسرائيل" خارج دائرة الاتهام. وإلى أن يُعاد تعريف الخطر الحقيقي بوصفه احتلالاً واستعماراً وعدواناً مستمراً، سيظل الحديث عن «الخطر الإيراني» مجرد ستار كثيف يُخفي وراءه أصل المأساة وجوهر الصراع.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

