السياسية || محمد محسن الجوهري*

في القرنين الهجريين الأول والثاني، لم يكن الخلاف المذهبي قد تعمّق بين مختلف الجماعات الدينية، وبلغة اليوم نستطيع القول إن الخلاف الشيعي–السني بدأ حينها كصراع سياسي بين فريقين؛ الأول يمثل الإسلام الرسمي الموالي لسلطة بني أمية، وحمل اسم «السنة والجماعة» للتأثير على العامة وإقناعهم بشرعية الحاكم، ويقوم هذا الفكر على الطاعة المطلقة للخليفة الأموي ولو فعل الأفاعيل، بذريعة أنه ظلّ الله في الأرض.

أما الفكر الآخر، فهو الإسلام السياسي أو الثوري، ويمثل الشيعة المتمردين على السلطة، وارتبط هذا الفكر بآل البيت عموماً، كالإمامين العظيمين الحسين وزيد، وقد صوّرهما الإسلام الرسمي بالخارجَين على الدين لرفضهما مبايعة الحكام الظلمة من بني أمية، ومع مرور السنوات أخذ الخلاف مسارات أخرى ثقافية وفقهية حتى تبلورت الطائفتان على ما هما عليه، إلى حين ظهور جماعة الإخوان التي جاءت بعقيدة تختلف عن الفريقين بشكلٍ جذري.

فالجماعة تعتنق فكر أهل السنة والجماعة في الظاهر، وتمارس كل طقوسها الفرعية على مذاهبهم، إلا أنها اختلفت معهم في الجوهر، وهو عدم الطاعة المطلقة للحاكم السني، وهذا في حدّ ذاته انقلاب جذري على الدين الذي رسم قواعده الأولى أئمة الشر من بني أمية، واستنّ بسنتهم كل طغاة العرب حتى تاريخنا المعاصر.

وهنا نحن أمام مفارقة كبيرة نتج عنها هذا العداء الرسمي من المؤسسات الدينية لدى الأنظمة العربية، وأولها مصر والسعودية، والكارثة أن اتهام الجماعة بالرفض وشتم الصحابة غير مجدٍ هذه المرة، فتفاصيلها الفقهية والثقافية لا تختلف عن ممارسة الإسلام الرسمي، كما لم تفلح محاولات السعودية في تدجين الجماعة وفرض عقيدة الخنوع على قادتها ومفكريها، كما هو الحال مع سائر الفرق السنية.

والسبب أن نشأة الجماعة صاحبها ظروف سياسية فرضت على بعض الأنظمة القمعية، وأولها النظام السعودي، التحالف مع الإخوان؛ فقد تبنّى المؤسسون الأوائل من آل سعود قادتها وفكرها، وفتحوا لهم الباب للتحرك في جميع الاتجاهات، خاصةً في البلدان العربية ذات التوجهات اليسارية، كمصر عبد الناصر وسورية الأسد. فالتأييد السعودي كان مطلقاً في هذين البلدين للنيل من اليسار العربي وإضعاف القومية المناهضة للصهيونية حينها، وقد تراجع ذلك الدعم بالتدريج في كل بلدٍ يتغير موقفه من العدو الإسرائيلي، وبالذات في مصر، لتبدأ من بعدها مرحلة أخرى من تاريخ الإخوان عنوانها القمع والاعتقالات.

فالسعودية تريد للجماعة أن تكون ثورية في بلدانٍ دون غيرها، وحسب مقتضيات المشروع الغربي، وربما لهذه الأسباب تأسست الجماعة بتمويلٍ إنجليزي في مصر، لكن الأجيال التي أعقبت جيل التأسيس لم ترضخ لسياسة التطويع، وظلت على عهدها الثوري في مصر وغير مصر، وأخشى ما تخشاه المملكة أن تنتعش الروح الثورية في إخوان الرياض، فهم قوة عظمى وكثرة عددية من شأنها قلب الطاولة في أي مرحلة من المراحل المقبلة، خاصةً في ظل الانفتاح غير الأخلاقي والتحول العلني في سياسة المملكة المحافظة.

ومثل هذه التغييرات من شأنها أن تشرعن للإخوان الثورة على آل سعود وإسقاط ملكهم، ولهذا عمدت إلى التحالف مع السلفيين لتطهير المؤسسات الرسمية منهم، وزجّت بكبار القيادات من الجماعة في السجون، من أمثال العودة والحوالي، وآلاف من المؤيدين لهم، كما أعدمت الكثير منهم بتهم باهتة لا تستحق أن تُذكر، كما فعلت مع تركي الجاسر، المواطن السعودي الذي قتلته بسبب تغريداته الموالية للإخوان.

والخلاصة أن جماعة الإخوان لم تكن في جوهرها امتداداً تقليدياً لأهل السنة والجماعة، ولا نسخة شيعية أو ثورية بالمعنى المذهبي، وإنما حالة هجينة نشأت من رحم الصراع السياسي على السلطة، واصطدمت مبكراً مع معادلة الطاعة المطلقة التي قامت عليها شرعية الأنظمة العربية. ومن هنا كان الصدام حتمياً؛ فالدين الرسمي لا يحتمل شريكاً في التأويل، والسلطة لا تقبل فكراً يقرّ بشرعيتها نظرياً ثم ينازعها عملياً. وبين التوظيف والاحتواء حيناً، والقمع والتصفية حيناً آخر، ظل الإخوان ضحية معادلة إقليمية تقيس المواقف بميزان الخضوع والالتزام بوظيفة مرسومة سلفاً. وفي هذا السياق، يصبح الخلاف صراعاً سياسياً على من يملك حق تفسير الدين وتسخيره لخدمة الحكم.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب