الضغط الدبلوماسي العربي… الخوف من ماذا؟
السياسية:
كيان الأسدي*
تتداول الأنباء، نقلًا عن وكالة الأنباء الفرنسية، أن المملكة العربية السعودية وقطر وسلطنة عُمان مارست ضغوطًا دبلوماسية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإقناعه بالعدول عن توجيه ضربة عسكرية لإيران، لما قد تجرّه من عواقب وخيمة تطال المنطقة بأسرها. هذا الحراك الدبلوماسي لا يمكن فصله عن جولة الاتصالات التي قام بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، والتي حمل خلالها رسائل واضحة إلى دول المنطقة مفادها أن أي اعتداء أمريكي على إيران لن يكون معزولًا عن محيطه، وأن النيران المتوقعة ستمتد لتجعل القواعد الأمريكية في تلك الدول أهدافًا مشروعة للقوات المسلحة الإيرانية.
ولا تزال حادثة استهداف قاعدة العديد في قطر حاضرة بقوة في الذاكرة العربية، بما تحمله من دلالات مقلقة لا تستطيع دول المنطقة تحمّل تبعاتها الاقتصادية أو الأمنية. أما السعودية، فتبدو من أكثر الأطراف استشعارًا للخطر، إذ تعيش هاجس استهدافها في حال تطور أي صراع يمسّ النظام الإيراني، ولا سيما في ظل توتر علاقاتها واختلافها مع المحور الإماراتي وارتباط هذا المحور بعلاقات وثيقة مع الكيان الصهيوني.
وحتى تركيا لا تبدو بمنأى عن هذا القلق المتصاعد؛ فهي تدرك خطورة سيناريو إقصاء إيران عن المعادلة الإقليمية، في ظل تعارضها مع مشروع “إسرائيل الكبرى” على الساحة السورية، وتنافسها المحتدم حول مدينة حلب. كل ذلك يجعلها، في نظر أنقرة، هدفًا لاحقًا لطموحات نتنياهو إذا ما حقق انتصارًا استراتيجيًا في إيران. كما أن التعويل على علاقة الصداقة بين أردوغان وترامب يبقى رهانًا هشًا، قابلًا للتبدل في أي لحظة لصالح الروابط الأيديولوجية العميقة التي تجمع ترامب بنتنياهو.
من هنا، يتضح أن إشعال المنطقة لا يصب في مصلحة أي طرف، خاصة مع شعور إيران بأن أي حرب تُشن ضدها ستكون حرب وجود، ما سيدفعها إلى خوضها بكل ما تملك من قوة. ولا توجد مؤشرات واقعية على قدرة الولايات المتحدة على إسقاط النظام الإيراني بضربة سريعة وخاطفة، إذ يبدو هذا السيناريو بعيدًا عن التطبيق العملي. وفي هذه الحالة، يتحول الوجود الأمريكي في دول المنطقة إلى ما يشبه القنابل الموقوتة، سرعان ما تنفجر مع أول شرارة حرب.
أما التراجع الإعلامي لترامب، الذي برره بتراجع إيران عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق معتقلين، فلا يمكن الركون إليه أو البناء عليه، فهو معروف بالمراوغة والخداع. وقد سبق له أن هيّأ الأجواء الإيجابية قبيل “حرب الاثني عشر يومًا”، متحدثًا عن تقدم في الاتفاق النووي واقتراب الحل، قبل أن تنقلب الصورة رأسًا على عقب.
ومع الأخذ في الاعتبار نزعة ترامب الشخصية الجامحة إلى استعراض القوة، ورغبته الدائمة في توجيه ضربات ترضي غروره ونزعته النفسية الاستعراضية، فإن التراجع الظاهري لا يعني بالضرورة الخضوع للضغوط. بل قد يكون مجرد إعادة رسم لسيناريو جديد، يفضي إلى ضربة خاطفة ومحدودة، يتجنب من خلالها المحاذير الكبرى التي يخشاها المعارضون لخيار الحرب الشاملة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

