نواف الزيدان.. لماذا اليوم؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
كان بإمكان نواف الزيدان أن يظهر قبل عشرين سنة ليشرح ماذا دار في بيته بين القوات الأميركية وعدي وقصي، نجلي صدام حسين، فقد كان اسمه محط تركيز الإعلام العربي والأجنبي على مدى سنوات، وتحديداً منذ تاريخ 22 يوليو 2003، غداة عملية "الشفق الأحمر" الأميركية التي شغلت القنوات ووسائل الإعلام منذ ذلك التاريخ.
ظهر الزيدان واثقاً من نفسه يتحدث عن أدق التفاصيل حول استضافته لأبناء الرئيس العراقي لقرابة الثلاثة أسابيع قبل أن يشي بهم إلى القوات الأميركية المحتلة لمدينة الموصل مقابل ثلاثين مليون دولار، وفرصة ذهبية ليعيش هو وأسرته حياة الرفاهية المطلقة في الغرب، وهو ما لم يتسنى لأي عميل آخر في العراق أو أي قطرٍ عربي، إلا أن المصلحة الأميركية تقتضي ظهوره اليوم لأسباب مستقبلية ستظهر تفاصيلها لاحقاً.
إلا أن الأهم في المقابلة، هو حديثه المطول عن سخاء الأميركان وحسن تعاملهم معه عقب الخيانة، وهذا، في حد ذاته، غاية مقصودة من إظهاره بهذا التوقيت، وهي أن خيانة الكبار ستكون محل الترحيب الغربي، وسينالوا مقابلها حياة كريمة تشمل كل أفراد أسرهم، وهذا يتناقض مع ما هو معلوم عن أميركا وتعاملها الفعلي مع الخونة.
فالشواهد الكثيرة تؤكد أن الغربي سرعان ما يتخلى عن العميل فور الانتهاء من عمالته، وهذا ما تعرض له الكثير من زعماء العالم العربي على مدى نصف قرن وأكثر من هيمنة واشنطن على العرب، فكل زعيم وطني يتخلى عن وطنيته لصالح الغرب ينتهي به الأمر إلى الهلاك، ولعل صدام خير مثال على ذلك، فقد انتهى تحالفهم معه فجأة فور وقفه للحرب مع إيران، ليبدأ من بعدها مسلسل تدميره وتدمير شعبه رغم أنه الفضل الأول في حماية الكيان الصهيوني من توسع الثورة الإسلامية في إيران، وقد كان إعلامه وإعلام الصهاينة يتحدثون بالسردية ذاتها عن الخطر المجوسي القادم من الفرس.
إلا أن رسالة نواف الزيدان كانت لقادة الوسط المنتشرين في الأغلب حول رأس الهرم في السلطة، فهم الغاية في كل خيانة تديرها واشنطن، وهذا له دلالات كثيرة أهمها أن الأنظمة العربية العميلة مقبلة على مرحلة جذرية تتطلب تغييرات كبرى وإسقاط عواصم ودول بكلها، وكل ذلك لخدمة "إسرائيل الكبرى" المشروع الصهيوني الذي تعمل عليه تل أبيب وواشنطن، وأبرز ضحاياه هي الأنظمة العميلة للغرب، بما فيها دول الطوق لفلسطين وحتى العراق والسعودية.
وصحيح أن القادة هنا جميعهم منبطحون للسياسة الأميركية، إلا أن ذلك ثمن بقائهم في السلطة حسب ما يفهمون، ومن البدهي أن ينتفضوا -ولو متأخراً- عندما يصل الأمر إلى غرف نومهم، وعندئذٍ ستبرز الحاجة إلى قادة الوسط الذين تعدهم أميركا منذ وقتٍ مبكر، وسيكون لهم الدور المحوري في إسقاط أنظمتهم الوطنية، كما حدث في العراق عام 2003، وسورية ثم فنزويلا مؤخراً، كما ستتبع أنظمة أخرى في المستقبل القريب، منها دول الخليج.
فالمرحلة القادمة مرحلة تغييرات كبرى، خاصة لو انتصرت واشنطن في إيران، حيث لم يعد هناك أي سبب يدفع أميركا إلى إبقاء أنظمة الخليج، سوى أنها درع الكيان الأخير في مواجهة إيران، والتي تشهد بدورها مشروعاً أميركيا لإسقاطها، لو تحقق ذلك، فإن التالي هي الأنظمة الخليجية التي تكلف واشنطن مليارات سنوياً من حصتها في النفط العربي، الذي تؤمن بأنه ملك لها لولا ما تقتضيه دوافع الحماية من الخطر الإيراني.
إذن فظهور الزيدان كان لطمئنة أمثاله في محور التطبيع، وعليهم تراهن واشنطن في تحقيق الحلم اليهودي ببناء "إسرائيل الكبرى" خاصة إذا وعدتهم ببعض المناصب في الدويلات الصغيرة التي تلي سقوط الأنظمة الكبرى، كالسعودية التي ستتحول إلى عشرات المستعمرات المتناحرة فيما بينها والخانعة كلياً للهيمنة الغربية، كما كان عليه الحال إبان الاحتلال الإنجليزي لجنوب اليمن قبل نوفمبر 1967.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

