السياسية || محمد محسن الجوهري*

في اليمن، تستطيع قياس المستجدات المستقبلية والتحالفات الإقليمية المرتبطة بها عن طريق تحركات حزب الإصلاح والرواية التي تروّج لها آلته الإعلامية الضخمة، ومن خلال تهليلها الواسع للسعودية، فإن ذلك ينبئ بتحالفٍ عملي بين الرياض وأبوظبي، وهكذا تحالف لا يقوم إلا بتفعيل ورقة الإرهاب ضد طرفٍ ثالث آخر.

وحتى تتضح الرؤية أكثر، فإن تطبيل الإصلاح الحالي للمملكة يعيد لذاكرتنا مرحلةً مماثلة بين عامي 2011 و2013، وهي المرحلة التي تحالف فيها النظامان السعودي والقطري لضرب الدولة السورية وتشريد شعبها، وقد شهدت تلك المرحلة زخماً غير مسبوق في سوق الإرهاب، حصدت منها قيادات الإصلاح ثروات هائلة، لدرجة أن حميد الأحمر فتح مكاتبَ تجارية في إسطنبول لاستقدام الانتحاريين من اليمن والزجّ بهم في الحرب الكونية على سورية، إضافةً إلى إرسالهم إلى مناطق أخرى لخدمة الأجندات السعوديّة-القطرية المتعلقة بالإرهاب، مثل ليبيا والعراق وغيرها.

إلا أن الإمارات، ولأسباب لا نعلمها، كان لها الدور الأول في تفكيك ذلك التحالف وضرب تحركاته الإقليمية، وقد انعكس التحرك الإماراتي في ركودٍ كبير في سوق الإرهاب أدّى إلى هدوءٍ نسبيّ للوضع في سورية واليمن، كما نتج عنه سقوط نظام الإخوان في مصر، وهو النظام الذي أعلن الجهاد في سورية وتجاهل الإجرام الصهيوني في غزة القريبة منه، والتي يتباكى عليها اليوم زعماء الجماعة وكأنهم نصروها بالأمس عندما كانت الدولة المصرية بيدهم.

وبعد سنوات من القطيعة بين الرياض والدوحة، ها هي العلاقات تعود كما كانت أيام المؤامرة على سورية، بدليل تدفّق نشطاء الإصلاح وأبواقه إلى الرياض تباعاً، وتطبيل رموزهم لحكّام المملكة، ومباركة تحركاتها الأخيرة في اليمن، وتصويرها بأنها لصالح الشعب اليمني، رغم أنهم إلى عهدٍ قريب كانوا يتهمون آل سعود باحتلال اليمن.

إضافةً إلى ذلك التلميع المفاجئ، بات لقناة الجزيرة، ولأول مرة، مراسلون في الداخل السعودي، وهو ما كان محرّماً حتى قبل الأزمة الخليجية عام 2017، ما يؤكد أن العلاقة بين النظامين في أفضل مراحلها، وأن هناك ضحيةً إقليمية لهذا التحالف الذي كان عنوانه معاداة الإمارات.

ولو كان هذا العداء سينتج عنه حرباً بالوكالة عبر أدواتٍ إقليمية، فمثل هذا النوع من الحروب قائم منذ سنوات ولا يتطلب التحالف مع حزب الإصلاح، الذي بدوره يملك ورقة الإرهاب ويفعّلها بحرفية لضرب أي استقرار داخلي في اليمن وغير اليمن.

ولا ننسى أن حزب الإصلاح هو التنظيم الذي تفرّعت منه كل التنظيمات الإرهابية في اليمن خلال العقود الأربعة الأخيرة، ومنها القاعدة بمختلف مسمياتها، وكان له في صنعاء جامعةٌ واحدة تخرّج منها عشرات الآلاف من الانتحاريين والوعظيين المحرّضين على الإرهاب، وقد انتشر هؤلاء في العديد من الأقطار، ومنها دول الخليج، حيث يعمل الكثير منهم في المؤسسات الدينية والخطابة في المساجد، وغيرها من الأعمال الثقافية التي من شأنها أن تشكّل قاعدةً لضرب تلك الدول.
وبحسب مقيمين في الإمارات، فإن خريجي جامعات الإصلاح ومراكزه منتشرون بكثرة، خاصةً في الشارقة، وكان للحزب هناك شعبية واسعة نتج عنها شبكة واسعة من الشراكات التجارية والمؤسسات التعليمية المختلفة كالمدارس الخاصة وغيرها، إضافةً إلى نشاطهم في الكثير من الاستثمارات المختلفة ذات الهوية العلمانية، كالمستشفيات والمختبرات التي نجحت قيادة الإصلاح في الفصل بينها وبين أنشطتها الدينية بحرفية تامة.

وكل ذلك سيسهّل للحزب تفعيل ورقة الإرهاب، ولك أن تتخيل أن تاجراً بلا مبادئ مثل حميد الأحمر، تحت تصرّفه الآلاف من الانتحاريين، وقد طلبت منه السعودية وقطر أن يوجّههم ضد الإمارات، عندها سيعرف الجميع خطورة حزب الإصلاح عندما يحظى بالدعمين القطري والسعودي، خاصةً وأن للطرفين أهدافاً انتقامية من النظام الإماراتي تتعلق بمصالحهما الخاصة، إلا أن آلتهما الإعلامية ستبرّر ذلك بحجج أخرى ذات طابعٍ دينيّ وقوميّ.

ومما يخدم الطرفين في ضرب الإمارات تطبيعُها العلني مع العدو الصهيوني، وفكرةُ إنشاء الدين الإبراهيمي، التي تصلح ذريعةً جهادية بامتياز لسحق الدولة الإماراتية، رغم أن النظامين في الدوحة والرياض لا يقلّان ولاءً للصهاينة، بشهادة حرب غزة وغيرها من التحركات التي تخدم الكيان في البلاد الإسلامية كافة.

وإذا نجح تحالف السعودية وقطر في استهداف الإمارات عبر بوابة حزب الإصلاح، فإن الحد الأدنى لذلك سيقود إلى زعزعة نموذجها القائم على الاستقرار والانفتاح، وإدخالها في مرحلة استنزاف أمني وسياسي طويل الأمد. فالإمارات، بما تملكه من بنية أمنية متقدمة، قد تستطيع احتواء الصدمات ومنع الانهيار، إلا أن الآثار التراكمية للإرهاب ستنعكس على بيئتها الاستثمارية، وسيؤدي إلى نزوح رؤوس الأموال والعمالة القائمة عليها، وفي ذلك تهديد وجودي للدولة نفسها.

ولا سبيل إلى تجنب ذلك إلا بتفعيل ورقة الإرهاب المضاد ضد السعودية، وليس فقط ضد حزب الإصلاح، فالأخير لا يعمل إلا بضوء أخضر من الرياض، وهي أيضاً تمتلك الكثير من نقاط الضعف التي من شأنها ضرب مستقبل الدولة وبنيتها الاقتصادية وطمس رؤية 2030، خاصة في ظل هشاشة مشاريعها الكبرى وتناقض خطابها الإصلاحي مع سياساتها الإقليمية.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب