محركات البحث ليست محايدة
السياسية || محمد محسن الجوهري*
محركات البحث التي نعرفها وأولها العم "غوغل" هي ساحة صراع أخرى للحرب الناعمة، فترتيب النتائج وعرض البعض على حساب الغير، يتم عبر خوارزيمات معقدة، لكنها ضمن حسابات الغرب الصهيوني، بما يخدم مصالحه العقائدية والسياسية والاقتصادية، حيث تتصدر البحث الروايات المتناغمة مع الخطاب الغربي السائد، وتُدفن الأصوات المخالفة في الصفحات الخلفية التي لا يزورها أحد.
يكفي أن نلاحظ كيف تُصاغ النتائج الأولى عند البحث عن إيران: عناوين جاهزة عن «القمع»، و«الاضطرابات»، و«النظام المعزول»، غالبًا من مصادر متطابقة في اللغة والمفردات، وكأنها نُسخت من بيان واحد. في المقابل، تغيب التحليلات التي تضع الأحداث في سياقها الجيوسياسي، أو تلك التي تشير إلى الحصار، أو الحرب الاقتصادية، أو الدور الاستخباراتي الخارجي. هذا النمط ليس صدفة، بل نتيجة خوارزميات تُعلي من شأن مصادر بعينها بحجة «الموثوقية»، بينما تُقصي أي مصدر لا يدور في الفلك الأميركي.
وعندما يتعلّق الأمر بالداخل الأميركي، يتبدّل المشهد. البحث عن مظاهرات أو احتجاجات في الولايات المتحدة غالبًا ما يقود إلى نتائج تُخفف من حدّة الحدث: «تجمعات محدودة»، «احتجاجات سلمية»، «توترات عابرة». نادرًا ما تظهر في النتائج الأولى مقاطع تُظهر عنف الشرطة، أو التحليل البنيوي للعنصرية، أو الفجوة الطبقية، إلا إذا فُرضت هذه الصور بقوة الواقع كما حدث في قضايا كبرى لم يعد ممكنًا تجاهلها. حتى حينها، تُعاد صياغة السردية سريعًا لتُفرغ الحدث من مضمونه السياسي.
الأخطر من ذلك هو ما لا يظهر أصلًا: ما لا تقترحه خاصية الإكمال التلقائي، وما لا يدخل ضمن «المقتطفات المميّزة»، وما لا يُصنَّف كخبر عاجل. هنا لا يتم تزوير الحقيقة، بل إدارتها بالانتقاء. فالتحكم في ترتيب النتائج هو تحكم في ترتيب الأفكار داخل العقل، ومع الزمن يتحول هذا الانتقاء إلى بديهة، وتصبح الرواية الواحدة هي «المنطق السليم».
والإدارة بالانتقاء هي أخطر أشكال السيطرة الحديثة؛ لأنها تقوم على ترتيب الأولويات وليس على فرضها بالقوة، ففي هذا النمط من الإدارة لا يُمنع الخبر، ولا يُكذَّب الحدث، وإنما يُزاح بهدوء من مركز المشهد إلى هامشه، ويُستبدل بما هو أقل إزعاجًا وأكثر قابلية للهضم. ما يُعرض أولًا يُصبح هو الحقيقة في وعي المتلقي، وما يُؤخَّر يُحكم عليه بالنسيان تلقائيًا. هكذا تُدار الأزمات، وتُفرَّغ الوقائع من دلالاتها السياسية، ويُعاد تشكيل الإدراك الجمعي دون أوامر ولا رقابة ظاهرة، بل عبر خوارزميات تدّعي الحياد بينما تمارس أخطر أشكال الوصاية على العقل.
لهذا، فإن التعامل مع محركات البحث بوصفها مرآة للواقع هو سذاجة معرفية. إنها أدوات قوة، ناعمة وفعّالة، لا تُطلق رصاصة واحدة، لكنها تعيد تشكيل العالم في أذهان الملايين، وتمنح الهيمنة الأميركية والصهيونية امتياز الظهور الدائم، بينما تُدفع الحقائق المزعجة إلى الظل.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

