طوفانُ الجنيد*
في مطلع الألفية الثالثة، وتحديدًا عام 2002م، أطلق الشهيدُ القائدُ حسين بدر الدين الحوثي، سلامُ الله عليه وقدَّسَ روحَه الطاهرة، من جامع الإمام الهادي، ومن جبال مرّان في محافظة صعدة، هتافًا خالدًا، وموقفًا قرآنيًا، وبراءةً من أعداء الله، وكلِّ ما يمارسونه من إذلالٍ واستضعافٍ للأمة الإسلامية، وحربٍ شرسةٍ على الإسلام والمسلمين، عُرف لاحقًا بـ «الصرخة في وجه المستكبرين».
لم يكن هذا الشعار، أو هذه الصرخة، مجرد كلماتٍ تُطلق في الهواء، بل كان نداءَ تحرر، وموقفًا قرآنيًا، ومشروعًا نهضويًا، وسلاحًا معنويًا هزَّ أركانَ قوى الاستكبار العالمي، وعلى رأسها أمريكا وحليفها الكيانُ المحتل.
ما هي هذه الصرخة؟
الصرخة هي شعارٌ مكوَّنٌ من خمس عبارات، أعلنها الشهيدُ القائد كموقفِ براءةٍ من أعداء الأمة:
الله أكبر
الموت لأمريكا
الموت لإسرائيل
اللعنة على اليهود
النصر للإسلام.
وقد أُطلق عليها ابتداءً مصطلح «صرخة» لدورها في إيقاظ الأمة من سباتها، وكسر جدار الصمت، ثم تحولت تدريجيًا إلى «شعار» ثابتٍ لمشروعٍ تحرريٍّ أكبر.
لم تكن هذه الصرخة، أو هذا الشعار، حدثًا عابرًا، بل كانت بدايةَ تأسيسِ مشروعٍ قرآنيٍّ عظيم، استطعنا به أن نغيّر وجهَ اليمن والتاريخ، ونجتازَ به الحدود، ونصلَ به إلى العالمية، بفضل الله تعالى.
فمن التصدي والمواجهة للقوى الظلامية في ظل النظام السابق، إلى المواجهة المباشرة مع قوى الطاغوت: أمريكا والكيان المحتل وأدواتهم في المنطقة، ومنذ أن شُنَّ العدوان على اليمن بقيادة السعودية، وبدعمٍ أمريكيٍّ ومشاركةٍ صهيونية، وحتى اليوم، نمضي بهذا الشعار، ونترجمه مواقفَ إيمانيةً، وإسناديةً، ودفاعيةً عن القضية المركزية فلسطين، ودعمًا لأهلنا في قطاع غزة، ومع كل الأحرار والمستضعفين في الأمة العربية والإسلامية.
لقد تحولت الصرخة إلى قوةٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ فاعلة، غيّرت الموازين، ورسمت الخارطة الاستراتيجية للمنطقة والعالم.
على مدى أكثر من عقدٍ من الزمن، شنَّ أعداءُ الله والإنسانية على اليمن حربًا إجرامية، وفرضوا علينا حصارًا اقتصاديًا شاملًا، في محاولةٍ لإذلالنا وإضعافنا، لعلّنا نتراجع عن موقفنا، ولكن هيهات لهم ذلك.
وقد أثبت هذا الشعار مدى تأثيره في نفس العدو، حتى أصبح مندوبُ الكيان المحتل يرفعه في مجلس الأمن الدولي، مدّعيًا أنه معاداةٌ للسامية، وأسلوبٌ إرهابي، وكابوسٌ مرعب.
لقد مثّل هذا الشعار رفضًا صريحًا للهيمنة والاستكبار والوصاية الأمريكية، ولكل المشاريع التي تستهدف تقسيم المنطقة ونهب ثرواتها. كما حوّل بوصلةَ العداء من الخلافات المحلية الداخلية إلى العداء الحقيقي للعدو الخارجي (أمريكا والكيان المحتل)، واعتُبر حصانةً فكريةً للأمة من السقوط في مستنقع التطبيع.
التمرد على ثقافة الصمت:
جاءت الصرخة في زمنٍ كانت فيه ثقافةُ الخنوع والصمت هي السائدة، فمزّقت جدار الصمت، وأعادت إحياء ثقافة قول الحق، والجهاد في سبيل الله، والدفاع والمقاومة.
ختامًا:
إن شعار الصرخة في وجه المستكبرين يمثل السلاحَ الفتّاك، والموقفَ الحق، والقوةَ التي لا تنكسر.
نعم، إن صرخةَ شهيدِ القرآن لم تكن لحظةً تاريخيةً وانتهت، بل هي مشروعٌ حيٌّ متجدد. لقد تحولت من هتافِ مجموعةٍ من المؤمنين في بقعةٍ محدودة، إلى مشروعٍ إيمانيٍّ عمَّ البقاع، بهتاف الملايين من البشر، وقوةٍ استراتيجيةٍ وعسكريةٍ مؤثرةٍ في أحداث المنطقة.
وهي تجسيدٌ عمليٌّ لآية البراءة من أعداء الله، ولواءٌ يُحتشد تحته للتصدي للهيمنة والطغيان، وتأكيدٌ على أن الكلمة، حين تُختزل في شعارٍ مؤمن، تتحول إلى قوةٍ، وصوتٍ مدوٍّ، يزعزع العروش، ويصنع التاريخ.
* المقال يعبر عن راي الكاتب