سلاح الوعي والبصيرة أخطر من السلاح النووي
السياسية || محمد أحمد الجوهري*
لقد شهد العالم العديد من الحروب منذ الأزل ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا؛ فالعالم يعاني من ويلات الحروب، ونرى العديد من الدول تحمل سياسة الاستعمار والتوسع، وقد قامت باستعمار واحتلال الكثير من الدول لعدة أهداف حيوية واستراتيجية. وهناك العديد من الشواهد، ومن ضمنها الاحتلال البريطاني لمعظم دول العالم وقتل أهلها ونهب ثرواتها واستعباد شعوبها.
وقد اعتمدت في هذا على قوة السلاح؛ نعم، فالأسلحة لطالما كانت هي العامل الرئيسي للسيطرة وفرض النفوذ، فترى العالم يتسابق في صناعة وتطوير الأسلحة وتدريب الجيوش، وكان لها الأثر الأكبر في احتلال الدول وفرض النفوذ على المنطقة والعالم.
وتم احتلال العديد من الدول والشعوب بالقوة، وفي بعض البلدان تجاوزت مدة الاحتلال قروناً من الزمن، ورغم السيطرة المطلقة لعقود أو لقرون، وفناء عدة أجيال من الشعوب تحت الاحتلال، وولادة أجيال تحت وطأة الاحتلال جيلاً تلو الآخر لا يعرفون الحرية، ولدوا وعاشوا ووطنهم محتل وأصبح العدو المحتل مسيطراً على كل شيء في بلدهم، إلا أن روح المقاومة لم تمت. وترى الشعب يثور ويطرد المحتل، وهناك العديد من الشواهد مثل ما حصل في جنوب اليمن بعد احتلال دام قرابة 126 عاماً، ومثل ما حصل في الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي وتقديم التضحيات الجسيمة، كلاهما استطاعا طرد المحتل رغم فرق الإمكانيات الكبير سواءً عسكرياً أو مادياً.
هنا أدركت قوى الاستكبار أن الحرب هي حرب الوعي والبصيرة والثقافة؛ فعندما ترى الشعوب متسلحة بسلاح الوعي والبصيرة وتتمسك بعقيدتها، فإن المقاومة لا تموت لأنها مغروسة في الذات. فالإيمان بالقضية، العقيدة، القيم، والمبادئ، كل هذه تعد عوامل للنصر. ومن هنا اتجهت دول الاستكبار، وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل، إلى الحرب الناعمة، الغزو الفكري، والغزو العقائدي، وإبعادنا كأمة مسلمة عن القرآن وقرنائه؛ لأنهم يعلمون أنه عندما تموت العقيدة، وتموت القضية، ويموت الانتماء، نفقد الهوية الإيمانية، فتموت المقاومة وتنتهي القيم والمبادئ والأخلاق ويموت السخط في النفوس.
وهنا تصبح الشعوب مستكينة صاغرة ذليلة؛ إذن الحرب الفكرية الثقافية هي الوسيلة الأفضل والأقوى للسيطرة على الشعوب. وهناك عدة أسباب، أبرزها: قلة التكلفة، الخسائر المادية، وضمان تحقيق الأهداف والسياسات والأجندة. وهناك العديد من الشواهد، أبرزها ما حدث في اليمن من عدوان غاشم منذ أكثر من عشر سنوات واستخدام جميع الأسلحة، إلا أن هذا لم يجدِ نفعاً، واستمرت المقاومة والإرادة اليمنية واستطاعت التغلب على آلة القتل.
وهنا أدرك الكيان الغاصب أنه لا مجال للنصر إلا عن طريق الغزو الفكري، فقد شنوا هجمات إعلامية شرسة على "الأنصار" وعلى شعارهم، ومدى خوفهم منه في مجلس الأمن الدولي، وإنما هذه دلالة على قوة شعار الأنصار ومدى خلقه للسخط والعداء للكيان الغاصب. نعم، إنه أخطر من برنامج إيران النووي؛ لأن السلاح الناري تأثيره محدود جغرافياً وزمنياً ويخلق الخوف ولكنه لا يغير القناعات، وينتهي مفعوله عند نفاذ الذخيرة، يفرض الطاعة ولا يفرض الولاء.
أما سلاح السخط والوعي فهو المحرك وهو البوصلة، وعندما يجتمعان يتحول الفرد من أداة تنفيذ إلى قوة معارضة لا يمكن إيقافها برصاصة، ومداها عابر للحدود والأجيال، ويؤدي إلى تغييرات هيكلية وجذرية. فيجب علينا أن نحمل سلاح الوعي والبصيرة والسخط وتربية الأجيال عليه؛ فبهذا تقوم الدول ذات السيادة، ويُخلق الشعوب الواعية العصية على الاحتلال.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

