السياسية || محمد محسن الجوهري*


تشير المعطيات الجيوسياسية إلى أن منطقة الخليج تواجه احتمالات تصعيد عسكري واسع، رغم أنها ليست طرفًا مباشرًا في جوهر الصراع. غير أن انخراطها السياسي والإعلامي ضمن منظومة الاستقطاب الدولي جعلها جزءًا من بيئة التوتر.



وفي حال اندلاع مواجهة عسكرية كبرى، فإن أدوات الحرب النفسية والإعلامية لن تكون كافية لحماية الاقتصادات الخليجية، نظرًا لكون المنطقة تضم كثافة عالية من القواعد العسكرية، فضلًا عن اعتمادها شبه الكلي على تصدير النفط بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات العامة، ولا سيما في علاقته بالاقتصاد الأميركي.



ومن منظور اقتصادي بحت، فإن اقتصادات الخليج تُصنّف ضمن الاقتصادات الريعية عالية الحساسية للصدمات. فهي غير مهيأة لتحمل حروب طويلة الأمد أو صراعات استنزاف، كتلك التي شهدتها المنطقة في تجارب سابقة مثل الحرب العراقية–الإيرانية أو العدوان على اليمن المستمر منذ أكثر من عقد. ويقوم النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي في دول الخليج على شرط أساسي هو الاستقرار الكامل، سواء في البيئة الأمنية أو في سلاسل الإمداد والطاقة. وعليه، فإن أي حرب ممتدة قد لا تهدد الكيانات السياسية فحسب، بل قد تقوض نموذج الرفاه الاقتصادي الذي بنت عليه هذه الدول شرعيتها الاجتماعية.



أما في مرحلة ما بعد الصدمة، فتبرز إشكاليات بنيوية أكثر عمقًا. فالتركيبة السكانية في دول الخليج تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الوافدة، التي تمثل العمود الفقري للقطاعات الإنتاجية والخدمية. وفي حال حدوث تدهور أمني واسع، فإن خروج هذه الكتلة البشرية سيؤدي إلى اختلال حاد في سوق العمل وتراجع النشاط الاقتصادي.



في المقابل، يمتلك جزء معتبر من المواطنين الخليجيين محافظ استثمارية في الخارج، قد تتحول إلى ملاذ مؤقت لرؤوس الأموال، غير أن هذه الاستثمارات نفسها تظل عرضة لمخاطر قانونية وسياسية، خصوصًا في ظل السوابق الغربية المتعلقة بتجميد أو مصادرة الأصول تحت ذرائع سياسية أو أمنية، كما حدث مع أموال أنظمة وشخصيات من دول نامية فقدت غطاءها السياسي الدولي.



في هذا السياق، يصبح البحث عن بيئات استثمارية أقل تعرضًا للصراعات الدولية خيارًا عقلانيًا لإدارة المخاطر وهنا تبرز المحافظات اليمنية الحرة بوصفها بيئات أثبتت قدرة كبيرة على التكيّف مع الصدمات، سواء الاقتصادية أو العسكرية، خلال فترة زمنية طويلة. وقد اتجه بالفعل عدد من رجال الأعمال والساسة اليمنيين في الخارج إلى توظيف رؤوس أموالهم داخل البلاد بآليات متنوعة، مستفيدين من انخفاض الكلفة الاستثمارية ومرونة الأسواق المحلية.



وبالمنظور المقارن، فإن الاقتصاد اليمني، رغم هشاشته الظاهرة، خضع لاختبارات قاسية جعلته أكثر قدرة على امتصاص الأزمات مقارنة باقتصادات تعتمد على الرفاه والاستقرار المستورد. وهو ما يفتح نقاشًا جديًا حول إعادة توجيه رؤوس الأموال في المنطقة، ليس وفق معيار الربحية السريعة، بل وفق اعتبارات الاستدامة والمخاطر الجيوسياسية.



تتوافر لليمن مقومات اقتصادية حقيقية تجعل منه بيئة جاذبة لما يُعرف بالاستثمار الصلب طويل الأجل، وفي مقدمة هذه المقومات توفر العمالة المؤهلة وذات الكلفة المنخفضة مقارنة بدول الإقليم، فضلًا عن امتلاكها خبرات متراكمة في قطاعات الإنتاج والخدمات والتجارة.



ويُضاف إلى ذلك انخفاض أسعار المواد الأولية ومدخلات الإنتاج، ما يمنح المستثمر هامش ربح أوسع وقدرة أعلى على المنافسة. كما تشكّل الكثافة السكانية المرتفعة عامل قوة اقتصادي، إذ تخلق سوقًا داخلية واسعة ذات طلب مستمر، خصوصًا في المحافظات الحرة التي تمثل مركز ثقل استهلاكي وتجاري لا يرتبط مباشرة بتقلبات الوضع العسكري في المنطقة.



وعلى عكس الاقتصادات الريعية التي تتأثر سريعًا بالحروب والحصار، يتميز الاقتصاد اليمني بمرونته واعتماده على النشاط الداخلي والتبادل المحلي، ما يجعله أقل حساسية للصدمات الخارجية وأكثر قدرة على الصمود. وهذه الخصائص مجتمعة تفسر لماذا يظل الاستثمار في اليمن قائمًا حتى في أحلك الظروف، ولماذا يُعد خيارًا استراتيجيًا لرؤوس الأموال الباحثة عن الاستقرار النسبي والاستدامة، لا عن الأرباح السريعة المرتبطة بالظرف السياسي.



وعليه، فإن النظر إلى اليمن من زاوية الأزمات فقط يُغفل حقيقة اقتصادية مهمة، مفادها أن الدول التي تمر باختبارات قاسية هي الأكثر قابلية لبناء اقتصاد متماسك على المدى الطويل. فاليمن، بما راكمه من خبرات في التكيّف والصمود، وبما يمتلكه من سوق داخلية نشطة وموارد بشرية حقيقية، يقدّم نموذجًا مغايرًا للاقتصادات الهشة المعتمدة على الاستقرار الخارجي.



وفي زمن تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية وتتراجع فيه جدوى الاستثمار السريع، يصبح الرهان على الاقتصاد الحقيقي والإنتاج المحلي خيارًا عقلانيًا لا مغامرة، ويغدو اليمن، بكل تحدياته، أحد أهم ساحات هذا الرهان في المنطقة.




* المقال يعبر عن رأي الكاتب