كتاب "من العبودية إلى العبودية"
السياسية || محمد محسن الجوهري*
هذا هو عنوان لأحد أهم الكتب الاقتصادية التي تخاطب الواقع وتشرح الفرق بين عبودية اليوم وعبودية الماضي، الكاتب هو الفيلسوف الروسي "فالنتين كاتاسانوف" وهو متوفر مجاناً على الشبكة العنكبوتية بنسختين مقروءة ومسموعة.
يتساءل الكاتب كيف أن الشركات الرأسمالية المعاصرة تتنافس فيما بينها على الموارد والثروات والأسواق، لكن لا أحد منها يتنافس على اقتناء العمالة بل على العكس تسعى الشركات لتطوير وسائل الانتاج للتخلص من أكبر عدد ممكن من العمالة، حيث يرى كاتسانوف أن الإنسان هو الأرخص في موارد الشركات، إذ يُدفع الإنسان إلى العمل المستمر لتلبية التزاماته المالية، ويُوجَّه سلوكه ورغباته عبر الإعلام وثقافة الاستهلاك، بحيث يظن أنه يتخذ قراراته بحرية، بينما هو في الواقع يتحرك ضمن إطار محدد يفرضه النظام القائم. بهذه الطريقة، تتحول العبودية إلى حالة داخلية يعيشها الفرد دون أن يشعر بها بشكل صريح.
يرى كاتاسانوف أن العالم انتقل من عبودية "الأجساد" التي كانت سائدة في القرون الوسطى، إلى عبودية "الديون". يركز الكتاب على أن النظام المصرفي القائم على الفائدة (الربا) هو المحرك الأساسي لاستعباد الدول والشعوب. فالدين يصبح قيداً لا ينتهي، حيث تضطر الدول والأفراد للعمل لسنوات طويلة فقط لسداد الفوائد، وليس أصل الدين.
ولتطويع الإنسان وتحويله إلى أداة طيعة داخل المنظومة الرأسمالية يتم توجيه أفكاره ورغباته تدريجيًا عبر وسائل مثل الإعلام والإعلانات وثقافة الاستهلاك. وهذه الأدوات لا تأمره بشكل صريح، وإنما تشكّل تصوراته عمّا يريد ويحتاج، وتخلق لديه إحساسًا زائفًا بالاختيار الحر. ومع الوقت، يصبح سلوكه منسجمًا مع ما يُراد له دون أن يشعر أنه مُوجَّه، فيتخذ قرارات يظنها نابعة من إرادته، بينما هي في الواقع نتيجة تأثيرات خارجية خفية.
وهنا تتجلى أبرز مفارقات الرأسمالية المتوحشة، فبدل أن يعمل الإنسان لتحقيق طموحاته أو تحسين حياته بحرية، يجد نفسه مرتبطًا بالتزامات أكبر من إمكانيته وأطول من مدة حياته، وهذا -بحسب كاتاسانوف- يجسد العبودية الحديثة التي تختلف عن شكلها القديم، ففي الماضي يمتلك الإنسان إنساناً آخر بشكل مباشر ويكون خاضع له كلياً، لكن الشكل الحديث يُعد أكثر تعقيدًا وخفاءً؛ إذ لم يعد هناك “مالك” محدد يمكن الإشارة إليه، بل تحوّل النظام بأكمله—بمؤسساته الاقتصادية والإعلامية—إلى منظومة تؤدي دور السيطرة ذاته. وبهذا، يخضع الفرد لتأثيرات متعددة ومتشابكة تتحكم في مسار حياته، دون أن يشعر بوجود جهة واحدة تفرض عليه ذلك بشكل مباشر.
يخصص الكاتب جزءاً كبيراً لنقد النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة، وتحديداً نظام "الدولار". فطباعة العملة دون غطاء ذهبي وتحويلها إلى أداة هيمنة عالمية هي أكبر عملية خداع في التاريخ، حيث يتم استبدال ثروات حقيقية (مواد خام، عمل، موارد) بأوراق نقدية لا قيمة ذاتية لها.
ويحلل كاتاسانوف التبعات الجيوسياسية لهذا النظام، معتبراً أن الولايات المتحدة تمارس "سخرة دولية"؛ حيث تضطر الدول النامية والمتقدمة على حد سواء إلى تكديس احتياطياتها بالدولار وشراء سندات الخزينة الأمريكية، مما يعني عملياً أن العالم يمول العجز الميزاني الأمريكي ويتحمل عبء التضخم المصدر إليه من البنك المركزي الأمريكي.
هذا الوضع يخلق حالة من "العبودية النقدية" التي تجعل سيادة الدول رهينة لمنظومة "السويفت" والقرارات المالية الصادرة من نيويورك، مما يحول الاقتصاد العالمي من ساحة للتبادل العادل إلى آلية لامتصاص الفائض العالمي لصالح "أسياد المال" في وول ستريت، وهو ما يراه الخداع الأكبر الذي يرهن مستقبل الأجيال القادمة لخدمة ديون وهمية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

