السعودية أم الإمارات؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
قبل سنة من اليوم، كان الحديث عن الصراع بين الرياض وأبوظبي مجرد تكهنات وتحليلات في وسائل الإعلام، وكان مسؤولو الدولتين يدحضون هذه الأخبار ويصفونها بالشائعات، وأن العلاقة بين النظامين فوق أي خلاف، وأن تحالفهما ضد اليمن ومحور المقاومة باقٍ وفوق أي اعتبارات أخرى سياسية كانت أو اقتصادية.
كان من الواضح أن إصلاحات محمد بن سلمان الاقتصادية تشكل خطراً وجودياً على الإمارات التي تعتمد في دخلها على السياحة والاستثمارات الأجنبية وميناء دبي، إضافة إلى صادراتها النفطية المحدودة بموجب المحاذير التي تصدرها منظمة "أوبك"، وهي المحاذير المرتبطة بشكلٍ رئيسي بالسعودية كونها أكبر المنتجين في المنظمة.
إصلاحات بن سلمان بدأت بسحب الاستثمارات السعودية من الإمارات وتشجيع السياحة التي كانت تذهب للإمارات قبل وصول سلمان ونجله إلى السلطة، كما أن الاستثمار في الموانئ السعودية على البحر الأحمر من شأنه أن يضرب موانئ دبي ويحد من مركزيتها في المنطقة، إضافةً إلى أن السعودية تنتج النفط بكميات مهولة بالمقارنة مع الإنتاج الإماراتي المحدود، وبالتالي تفشل محاولات أبوظبي في الهيمنة على الخليج سياسياً واقتصادياً، والتي اعتمدت على التطبيع والاستحواذ على القرار السعودي عبر الدعم المطلق لمحمد بن سلمان حتى يستحوذ على السلطة وينفرد بحكم المملكة دون سائر الفروع الأخرى من الأسرة المالكة.
اليمن أيضاً كانت الميدان الأوسع للصراع؛ فالطرفان لهما أطماع مختلفة في البلاد، فالرياض تدعم نظام الدولة الفاشلة فيما الإمارات تتبنى سياسة التفكيك وفصل الشمال عن الجنوب وتهيئة الأخير ليكون مزرعة خاصة بها، كما أنها من خلاله تحولت إلى الحليف الأكبر للصهيونية العالمية من خلال دورها البارز في حماية الملاحة الإسرائيلية في باب المندب والساحل الغربي، وحظيت بموجب ذلك التعاون على دعم أمني واستخباراتي من الكيان جعل منها قوة لا يستهان بها في المنطقة تفوق تلك التي قدمها الأمريكيون للسعودية على مدى عقود.
ولا ننسى أن للصراع السعودي – الإماراتي جذوراً مذهبية وتاريخية لا تخفى على المختصين في العلاقات الخليجية، فالنظام السعودي يحتل أراضٍ إماراتية تابعة لإمارة أبوظبي ومنها حقل الشيبة المعروف، كما أن اعتناق الإمارات للمذهب المالكي أثار توجساتها كثيراً من التمدد الوهابي داخل الإمارات السبع، وهو التمدد الذي غير هوية الدولة وينذر بتوسعٍ مستقبلي للدولة السعودية؛ لأن الوهابية ارتبطت دوماً بالدولة السعودية وتوسعاتها القائمة أو المستقبلية في العالم العربي، وقد رأينا في اليمن كيف أن الاستثمار في نشر الوهابية سهل للرياض العدوان على البلاد عام 2015، وهذا أكد الرسالة التحذيرية بأن الفكر الوهابي يتجاوز حدود الوطنية ويمهد لتدخلاتٍ سياسية هي أشبه بتهديدٍ وجودي لأي بلد، خاصةً إذا كان البلد يشكو من تهديدات وجودية منذ تأسيسه لكونه كياناً غير طبيعي في المنطقة.
ومع خروج الصراع للعلن بدأنا نسمع من الإعلام الإماراتي حديثاً عن استقلال القرار السياسي لأبوظبي، وبذلك برروا انسحابهم من منظمة أوبك وهي الخطوة الأولى التي تسبق الانسحاب من مجلس التعاون الخليجي، وقد بدأ الإماراتيون في التمهيد لذلك وكله بدواعي الاستقلال عن الهيمنة السلطوية السعودية.
وبالفعل فالسعودية هي القوة المهيمنة على دول الخليج وتمارس دور الوصاية والسلطة المطلقة على القرار السياسي والاقتصادي بسبب علاقاتها القوية مع الغرب، لا سيما البيت الأبيض، فمن هناك تستمد السعودية الشرعية في نفوذها الإقليمي على العالم العربي، ولولا هذا النفوذ الممنوح غربياً ما تجرأت الرياض على ممارسة أي تدخلات إقليمية في اليمن والخليج، ولما شنت عدوانها على اليمن في 2015 وما كانت لتقدم على اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي سنة 1977، لسبب أنه أراد علاقات مع الرياض قائمة على الندية وليس التبعية التي وفرها غيره من رؤساء البلاد.
أرادت الإمارات أن تتحرر من العبودية لآل سعود ولكن ليس بمعايير أخلاقية وإنما بالعمالة أكثر للغرب، وتحديداً للكيان الصهيوني، الذي جعل منها مطية لمشاريعه التآمرية في المنطقة مقابل التحرر من الرياض وأن تحل أبوظبي محلها كقوة إقليمية تحكم المنطقة برمتها وتدمر كل تحرك مناهض للصهيونية.
وللأسف، فإن الانتصار بغير الحق هو الانتحار بذاته، فالتطبيع جلب لأبوظبي العار والسقوط الأخلاقي وجعل منها عدواً للعالم العربي والإسلامي وزاد من عزلتها بين الأمم، وكان سبباً في القصف الإيراني الذي طالها أكثر من غيرها أثناء الحرب التي دامت أربعين يوماً في المنطقة، وهذه الخسائر زادت من حدة العناد الإماراتي وضاعفت من ولائها المطلق للصهاينة، والنتيجة هي صراع وجودي بينها وبين الجميع، وباتت الرياض تدرك أنها تواجه تهديداً غير مسبوق ومن داخل المنظومة الخليجية.
وحتماً لن ينتهي الصراع إلا بانتهاء أحد الطرفين، والإمارات هي الورقة الأضعف والأقرب للسقوط لأسباب كثيرة أهمها الجرأة على التطبيع في العلن والاحتماء بالكيان الصهيوني؛ لأن هذا يشرعن كل الضربات الموجعة التي تلقتها من إيران وستتلقاها من السعودية، وإن كانت الأخيرة تتحرك من تحت الطاولة وتعمل على تفكيك الإمارات السبع من الداخل.
الإمارات أيضاً لها أوراقها وقد تنجح في توجيه ضربات أمنية للنظام السعودي قد تصل حد الاغتيالات وتشجيع الشارع السعودي على التمرّد مستغلةً الكثير من الثغرات، منها حنق الأسرة المالكة من قمع ولي العهد والتمييز المناطقي والمذهبي الذي تمارسه السلطة بحق المواطنين، ومن شأن ذلك التسريع في سقوط المعسكر الخليجي الذي طالما كان سنداً لأعداء الأمة منذ تأسيسه على يد الإنجليز قبل نحو قرن.
بالنسبة للأمة الإسلامية فإن الصراع كله في صالحها، وسيكون سبباً في انفراج الوضع الكارثي للشعب الفلسطيني، ومقدمة لزوال الاحتلال، فهكذا تبدأ الانتصارات للمستضعفين لأن اختلاف الطغاة والتدافع فيما بينهم يمهد لانتصار الحق، وهذه سنة إلهية رأيناها في اليمن يوم اختلف معسكرا السلطة عام 2011، وتسبب في هلاك الطغاة وخروجهم جميعاً من الحكم، وهكذا هي النهاية الوشيكة لمعسكر التطبيع بشقيه السعودي والإماراتي.
وصدق الله العظيم الذي بشر بصراعهما قبل 1400 سنة في قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 88].
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

