طوفان الجنيد*
من مجزرة الحجاج 1923م إلى عدوان 2015م.. قرن من الاستهداف والاعتداء
يحكي المؤرخون أن السابع عشر من إبريل أقدمت الأسرة السعودية على ارتكاب أبشع جريمة غادرة وأفدح مجزرة بشرية بحق حجاج بيت الله الحرام ظلمًا وعدوانًا.
لا تمثل "تنومة" في الذاكرة الجمعية اليمنية مجرد بقعة جغرافية في عسير، بل هي رمز لحجم الحقد والإجرام السعودي في حق اليمن واليمنيين، ووصمة عار في جبين العلاقة بين الجارين على مر العصور.
يُنظر إلى ما حدث في تلك الشعاب قبل مائة عام باعتباره "البذرة الأولى والوجه الحقيقي للنظام السعودي" وحجم العداء والحقد الدفين الذي يكنّه هذا النظام، والذي ما يزال يتسم به، والإجرام الذي يمارسه، وأكده بصورة أوسع في العدوان الإجرامي الذي شنه في مارس 2015 بصورة أشد فتكًا وأوسع نطاقًا.
أولاً: مجزرة تنومة 1923م.. الغدر في رحاب الإحرام
في عام 1341هـ (1923م)، كان نحو 3000 حاج يمني يمرون في وادي تنومة، عُزّلًا من السلاح، قاصدين بيت الله الحرام.
وحسب الروايات التاريخية الموثقة يمنيًا، فإن الجيش "التكفيري" التابع للملك عبدالعزيز آل سعود حاصر الحجاج في شعاب تنومة وسدوان. ورغم تأكيدات الحجاج بأنهم "زوار بيت الله" ولا يحملون سلاحًا، إلا أن الهجوم بدأ بالرصاص وانتهى بالسلاح الأبيض.
مما أدى إلى قَتل أغلب الحجاج، ونهب أزودتهم ومقتنياتهم مع قافلة رحلهم، ولم ينجُ منهم إلا القليل الذين فروا عبر الجبال الوعرة ليروا هول الفاجعة لأهالي الضحايا وذويهم. وقد كان من بين الضحايا كبار علماء اليمن وأعيانها، مما جعل الجرح عميقًا والجرم فادحًا بامتياز.
التفسير التاريخي للمجزرة
يرى الكثير من المؤرخين اليمنيين أن هذه المجزرة لم تكن "خطأً عسكريًا أو دفاعًا عن الحدود أو صد اعتداء"، بل جريمة إنسانية لا أخلاقية واعتداء صارخ تنبئ عن مكنون القلوب السوداء القاتمة، والنهج الإجرامي المتعمد لسفك الدماء والصد عن سبيل الله والمسجد الحرام.
ثانيًا: الحقد المستمر على اليمن واليمنيين وتعمد الاستهداف
فما بين المجزرة البشعة لقتل الحجاج 1923م، والعدوان الغاشم والحصار الجائر لتحالف الشر والإجرام السعودي الأمريكي الصهيوني البريطاني الإماراتي الأخير، نجد أن السياسة السعودية تجاه اليمن قامت على مبدأ "الاستيلاء والاحتلال القائم على التنكيل والإضعاف والإفقار".
واقتطاع الأراضي ونهب الخيرات وشن الحروب وزعزعة الأمن ونشر الفوضى وإضعاف الدولة اليمنية.
عقب المجزرة، وبين توقيع معاهدة الطائف 1934م، التي أدت لضم عسير وجيزان ونجران، استمرت الوصاية السياسية لعدة عقود، حيث سعى النظام السعودي للتحكم في القرار اليمني عبر شراء الولاءات القبلية والسياسية، لمنع قيام دولة يمنية قوية ومستقلة.
التغييب المتعمد: ظلت "مجزرة تنومة" مغيبة عن المناهج والخطاب الرسمي لعقود نتيجة الضغوط والوصاية، حتى أعادت الأحداث الأخيرة بعثها من جديد لتزيل الأقنعة وتبرز المظلومية.
ثالثًا: ثورة 21 سبتمبر وقطع الوصاية الخارجية
منذ قيام أحرار اليمن بالثورة المباركة في 21 سبتمبر 2014 وقطع الوصاية الخارجية، جن جنون العدو الأمريكي وأدواته في المنطقة، وتم تشكيل تحالف إجرامي بأكثر من 17 دولة ليشنوا على اليمن حربًا إجرامية وعدوانًا غاشمًا في 2015، أهلكوا فيه الحرث والنسل وارتكبوا الآلاف من المجازر البشرية، واستخدموا فيه أحدث التكنولوجيا المتطورة، وحربًا اقتصادية أطبقوا فيها حصارًا خانقًا على اليمن برًا وبحرًا وجوًا، وما يزال حتى اليوم، مما تسبب بمعاناة إنسانية كارثية لا مثيل لها في التاريخ.
هذا الإجرام هو امتداد لتلك النفس الحاقدة والعقلية الإرهابية الاستعلائية التي نفذت مجزرة تنومة، ولكن بأسلحة حديثة.
تشابه الاستهداف: كما استهدفت تنومة الحجاج العزل، استهدفت غارات 2015 صالات العزاء (كالقاعة الكبرى)، والأعراس، والأسواق، والمخيمات، مما كرس فكرة أن "الحقد" يستهدف الإنسان اليمني بغض النظر عن انتمائه.
كذلك الحصار الذي فُرض منذ 2015 هو تكرار لعملية "خنق اليمن وتعمد تجويع شعبه" ومنع مواطنيه من أبسط حقوقهم، بما في ذلك حرية التنقل وأداء فريضة الحج، تمامًا كما حدث في 1923م.
رابعًا: الدلالات السياسية وترابط الأحداث واستمرار الإجرام
تربط الأحداث الجارية الحالية بين الحدثين عبر عدة نقاط:
المشروع التوسعي: النظر إلى المجزرتين كأدوات لكسر إرادة الشعب اليمني وإخضاعه.
الدور الأجنبي: يربط المؤرخون بين الدعم البريطاني لابن سعود في 1923 والدعم الأمريكي/الغربي للتحالف في 2015، معتبرين أن اليمن يواجه مشروعًا خارجيًا بأدوات إقليمية.
ختامًا:
ستبقى مجزرة تنومة وكل مجازر آل سعود هي الذاكرة التي لا تموت، والدم الحار الذي لا يُنسى، والجرائم التي لا تسقط بالتقادم.
وسيظل "الجرح غائرًا لا يندمل" في تنومة وفي غيرها شاهدًا على الوجه الحقيقي للإجرام والإرهاب. كذلك سيبقى الصمود والتصدي لأولئك القتلة والمجرمين ضرورة حتمية وجهادًا في سبيل الله، والاقتصاص من الغزاة والمستكبرين لنصرة المستضعفين وتحرير المقدسات.
وليشهد التاريخ أن ما بدأ برصاصة في شعاب تنومة، وانتهى بالطائرات والصواريخ فوق مدن اليمن، دين سيُقضى، وثأر سيُقتص، والله مع المتقين، وليس بغافل عما يعمل الظالمون.
* المقال يعبر عن راي الكاتب